مقالات رأي

قراءة في الإجراءات الحكومية لمواجهة ارتفاع الأسعار

يواجه المغرب شأنه في ذلك شأن باقي دول العالم تحولات على مستوى الأسعار نظرا لمجموعة من التحولات على المستوى العالمي، ففي الوقت الذي تشهد فيه نسبة التضخم ارتفاعا في عدد من الدول، يسعى المغرب عبر مجموعة من الإجراءات الحكومية إلى مواجهة هذا الارتفاع القياسي لأسعار المواد الأولية على الخصوص، وذلك في ظل قلق بالغ من طرف المواطنين من تأثيرات هذه التحولات الاقتصادية على قدرتهم الشرائية.
يتناول هذا المقال بالدراسة والتحليل التحولات على المستوى الدولي ثم الإجراءات الحكومية المواكبة لها، ومدى قدرة هذه الاجراءات على تجاوز هذه الصعوبات الاقتصادية.
– سياق دولي صعب، وارتفاع لمستوى أسعار المواد الأولية:
تبعا لارتفاع الطلب العالمي بعد جائحة كوفيد-19 وتداعيات النزاع الروسي-الأوكراني، شهدت أسعار المواد الأولية ارتفاعا قياسيا على المستوى الدولي (البترول، غاز البوطان، القمح..).
انعكست هذه التحولات على الفرضيات التي على أساسها تم اعداد قانون المالية لسنة 2022، فإذا كانت فرضيات أسعار قانون المالية لسنة 2022 توقعت ثمن غاز البوتان في 450 دولار للطن، فإن توقعات متوسطات الأسعار الدولية إلى متم 2022 تشير إلى أن ثمن غاز البوتان سيتراوح بين 800 و850 دولار للطن أي بزيادة بين 80% و90%.
كما أن القمح المستورد شهد بدوره ارتفاعا، ففرضيات أسعار قانون المالية لسنة 2022 حددت ثمن القمح المستورد في 250 دولار للطن، في حين أن توقعات متوسطات الأسعار الدولية إلى متم 2022 تشير إلى أن ثمن القمح اللين سيصل إلى 380 دولار للطن بزيادة 52%.
شملت هذه التحولات على مستوى الأسعار المحروقات، حيث عرفت مادة الغازوال انتقالا من 600 دولار للطن إلى 1300 دولار للطن، كما انتقلت مادة البنزين من 700 دولار للطن تبعا للأسعار الدولية الاعتيادية إلى 1700 دولار للطن حسب الأسعار الدولية الحالية.
– الإجراءات الحكومية لمواجهة تقلبات الأسعار:
فرضت هذه التحولات الدولية في الأسعار على الحكومة اتخاذ اجراءات وتدابير للحد من ارتفاع هذه الأثمنة على القدرة الشرائية للمواطنين، فتبعا للارتفاع القياسي الذي شهدته أثمنة المحروقات فقد سنت الحكومة دعما استثنائيا لمهنيي نقل المسافرين ونقل البضائع بغرض الحفاظ على استقرار تعريفة النقل وأسعار المنتوجات والسلع، وحسب وزارة الاقتصاد والمالية فقد تم صرف مبلغ 1.484 مليون درهم في اطار الدفعات الثلاث التي قدمتها الحكومة.
وعلى مستوى صندوق المقاصة الذي تدعم به الدولة بعض المواد الاساسية، فقد فرض ارتفاع أثمنة الفوسفاط زيادة الموجه لهذه المادة قصد المحافظة على ثمن البع الداخلي لقنينة الغاز، أما بخصوص مادة القمح فقد بلغ متوسط الدعم الجزافي للقمح اللين خلال الخمس أشهر الأولى من هذه السنة ما يعادل 135 درهم للقنطار، وجدير بالذكر أن هذه المادة تشهد زيادة متواصلة على مستوى الأثمنة نظرا للنزاع الروسي- الأوكراني.
وتنزيلا للفصل 70 من الدستور، والمادة 60 من القانون التنظيمي للمالية، عملت الحكومة على اعداد مرسوم لفتح اعتمادات اضافية لتغطية ارتفاع تكاليف المقاصة، وقد بلغت هذه الاعتمادات الإضافية 16 مليار درهم.

– قراءة في الإجراءات الحكومية:
ساهمت الإجراءات الحكومية في التحكم في نسبة التضخم إلى غاية شهر أبريل حيث لم يتجاوز معدل 4.5%، وحسب وزارة الاقتصاد والمالية، ستمكن الدينامية التي تعرفها الموارد الجبائية والجمركية، والمداخيل المتأتية من المؤسسات والمنشآت العامة –ستمكن- من التحكم في عجز الميزانية بنسبة 5.9% من الناتج الداخلي الخام، أي أنه لن تكون هناك حاجة لقانون مالية تعديلي.
وإذا كانت الدولة عبر هذه الاجراءات ستتمكن من الحفاظ على التوازنات المالية، فإن الوقع الاجتماعي لهذه الزيادات القياسية على مستوى الأسعار لازال جليا، فالمحروقات التي لم يعد يشملها دعم صندوق المقاصة تشهد ارتفاعا متواترا، دون أن تتخذ السلطات العمومية أي إجراءات لحماية المواطن من مواجهة هذا الارتفاع القياسي لهذه المادة، والذي يؤثر بشكل مباشر على أثمنة مجموعة من المواد الأخرى.
كما أن هذا الارتفاع القياسي للأسعار ينبغي أن ترافقه تقوية لأدوار لجان مراقبة الأسعار قصد حماية المواطنين من التلاعب بالأثمنة وحماية القدرة الشرائية، بالإضافة إلى ضرورة إعادة النظر في أدوار صندوق المقاصة، واتخاذ اجراءات بخصوص مادة المحروقات من بينها تشغيل مصفاة “لاسامير” قصد تخزين البترول وتكريره وهو ما سيمكن من تخفيض أثمنة المحروقات في المغرب.
مع كل أزمة اقتصادية، يتضح أن المغرب في حاجة إلى اصلاحات هيكلية على مستوى اقتصاد البلاد، وتقليص التبعية الاقتصادية عبر تقوية الاقتصاد الوطني، وترشيد الإنفاق العمومي وضمان نجاعته، ومحاربة الفساد وهدر المال العام.
محمد الرقيبي
باحث في العلوم السياسية.أسعار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock