مقالات رأي

مقال : الحكم الذاتي في الصحراء.. آخر فرص جبهة البوليزاريو

منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب و جبهة البوليزاريو عام 1991، تحركت الآلة السياسية برعاية منظمة الأمم المتحدة من أجل الوصول إلى حل شامل لملف الصحراء؛ يضع حدا لنزاع إقليمي عمر لعقود. و على الرغم من ذلك، لم تسفر كل الحوارات التي جمعت الطرفين برعاية أممية عن نتائج مرجوة، ليتواصل مسلسل التصعيد، و يبلغ ذروته في شهر أبريل من كل سنة، مع صدور التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الإقليم المتنازع حوله.

فشلت كل المحاولات السياسية لطي الملف، و لم يثنهم ذلك عن التذكير المستمر و الإلحاح الشديد على مقترح الحكم الذاتي الذي طرح بشكل رسمي منذ 2007.

هكذا أدرك القائمون على ملف الصحراء- داخل دواليب الحكم و التدبير- في الرباط أهمية المقترح و استدامته و قدرته على جلب اهتمام أطراف عديدة، ثم إقناعها بجدوى جهود المغرب في حل النزاع بجدية؛ و لكن جبهة البوليزاريو ما دامت ترفض مثل هكذا مبادرات، مع تشبثها الكامل بفكرة “الصحراء لنا، نحكمها باستقلال تام، و نرفض أي مقترح في هذا الإطار.”، و كأن الجبهة تعيش خارج ذات العالم الذي تعول عليه أصلا.

و بتعبير آخر، إن الرباط عرفت كيف تجذب دولا كبرى و صغرى نحو دعَم مقترح عادل يخول المغاربة الصحراويين حكم الإقليم و تدبير شؤونه السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية. و لعل ديباحة مشروع المبادرة ترسخ، بالخط العريض، التزام المغرب بإيجاد حل نهائي للنزاع تفاديا للتصعيد السياسي و التهديد بالحرب بعد خرق اتفاق وقف إطلاق النار، كما يحدث اليوم– و ذلك لا ينسجم مع الواقع الإقليمي و مع الوضعية السياسية العالمية و مطالب القوى العظمى و مصالحها الذاتية و المشتركة.

في الوقت الذي ترهن فيه البوليزاريو مستقبل اللاجئين الصحراويين في تندوف أمام الزمن الذي لا يرحم، كان لزاما على المغرب الدفع بخياره السياسي بقوة، مسخرا كل عتاده الديبلوماسي و الإعلامي؛ و لم يجابه غير الرفض القاطع من قبل البوليزاريو و داعميها كافة. أو لم يكن حريا بالجبهة عقد استفتاء في تندوف حول مقترح المملكة؟ أليست الجبهة من يتبجح، في كل مناسبة، بضرورة إعمال العملية الديموقراطية و صيانة حقوق الإنسان؟

لابد من التنويه، بهذه المناسبة، بكون مقترح الحكم الذاتي، في ما مضى، مصدر سخرية لاذعة من نشطاء و سياسيين و إعلاميين و بينهم مغاربة لم يتوانوا يوما في جلد النظام و الحكومة المغربيين في شأن تسيير قضية الصحراء.

من ناحية أخرى، كانت قصاصات التنويه بمغزى فكرة الحكم الذاتي المغربي على منصات الإعلام الرسمي توحي بكثير من المبالغة في الوصف، أو هكذا كان يبدو لأربة الوصف اللاذع، من قبيل “ديبلوماسية البسطيلة الفاشلة”.

ينطلق المغرب في مقترحه الواقعي من نظام الفيدرالية الذي تحتكم إليه دول كثيرة عبر العالم مثل الولايات المتحدة الأمريكية و ألمانيا. و يضمن النظام الفيدرالي حق الأقاليم في تدبير شؤونها مستقلة عن التمركز، مع الانتماء إلى اتحاد بدل النزوع إلى الانفصال الشامل و ما ينتج عن ذلك من دويلات لا تستقر أحوالها مسببة في قلائل للجوار و منتجة لمزيد من الفقر و الهشاشة و التطرف و العصيان؛ و خير مثال على ذلك شبه جزيرة البلقان و اسكتلندا و كاطالونيا – تلك تجارب انفصال فاشل تجري في أعتى القارات حيث تنصب جبهة البوليزاريو خيام نضالها الشرس من أجل الانفصال.

إلى جانب النظام الفيدرالي، تعتمد دول أخرى على نظام الحكم الذاتي خارج هذ النطاق، و هو ما يصبو إليه المغرب، تقريبا، و هو ما تبنته أيضا جمهورية جنوب أفريقيا، الحليف الاسترايجي لقيادات تندوف، و قبلها للراعي الأول، الجزائر.
و على ذكر الجزائر، فثمة أصوات سياسية و اجتماعية داخل البلاد تناضل، رغم قساوة النظام، بغية التمتع بحكم ذاتي موسع، كما هو حال منطقة القبائل.

بين هذا و ذاك، يبقى الصحراويون المؤيدون لمبادرة الحكم الذاتي تحت سيادة المملكة المغربية أكثر واقعية و انسجاما مع مختلف التغيرات الإقليمية و الدولية- المقيمون في الأقاليم الجنوبية و القابعون في مخيمات تندوف؛ و الفئة الأخيرة، و ينتسب إليها نشطاء و مدنيون، لا تقوى على التصريح بالموقف علنا و هي تحت رحمة عسكر المخيمات. و هذا في حد ذاته ملف حقوقي متكامل لغاية النبش و التحقيق، بعيدا عن كل تعتيم و انتقائية.

هل آن الأوان للمغرب أن يتراجع عن مقترح نمط الحكم الذاتي؟ بعد التقدم الكبير الحاصل في ملف الصحراء لفائدته و بدعم منقطع النظير من حلفاء كبار. فلم تعد الولايات المتحدة الأمريكية بعظمتها تثمن مبادرة المغرب فحسب، كما كانت تحكي وسائل الإعلام الرسمية، بل صار الأمر اعترافا رسميا بالسيادة الكاملة على تراب الصحراء.

و مع توالي دعوات المغرب للانخراط في نقاش جاد و مسؤول ضمن المبادرة المطروحة أصلا، يظل مقترح الحكم الذاتي آخر فرصة لدى جبهة البوليساريو لإنصاف الصحراويين اللاجئين في مخيمات تندوف و غيرهم ممن استمالتهم دعاية الانفصال التائه. أفلم تكن غاية قيادات البوليساريو و المتاجرين بكرامة الصحراويين و حقوقهم كافة هي إطالة أمد النزاع، حتى يطول أمد ملذات النضال و الكفاح بالوكالة؟..

ع الحكيم المرابط

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
istanbul eskort - adana eskort - eskort adana - eskort - escort

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock