مقالات رأي

وجهة نظر: الجهوية بين التجريب و التصويب

وجهة نظر: الجهوية بين التجريب و التصويب

ورزازات أونلاين
 
محمد مومني – ورزازات –

      يبدو في الآونة الاخيرة أن موضوع الجهوية  بدأ يستأثر بموقع خاص  في النقاش السياسي و الاقتصادي ، ولكن لا يحظى بالقدر الكافي من الاهتمام لدى الرأي العام على الأقل بمنطقة  ورزازات .

فهذا الموضوع  تتجاذبه ثلاثة قوى غير متكافئة :

+ اللجنة  التقنية :التي وضعت صياغته و تصوره – شبه النهائي – ،و التي تزعم جادة أن معيارها كان علمياً صرفاً بعيداً عن كل الحسابات الضيقة؛

+ الأحزاب السياسية : و التي لها رأي قد لا يتقاطع مع اللجنة التقنية و التي قدمت مقترحاتها التعديلية؛ لكن ما يزال البعد الانتخابي حاضراً في قراءاتها للمشروع في الوقت الذي تقوم فيه  الجهوية المتقدمة على فلسفة التنمية و تأهيل العنصر البشري.

+ المجتمع المدني : و على رأسه الأنسجة الجمعوية التي اشتغلت ملياً على بلورة تصور مقنع معتمد على مقاربة جمعيات و منظمات المجتمع المدني لمفهوم الجهوية، مما يجعلها تحمل ملفاً شجاعاً، لكنه يقتقد  لعنصر الاقناع نظراً لغياب الدراسة المتكاملة لجميع جوانب الموضوع ، وعدم مساهمة النخب في تحمل هذا العبء، وهذا ما يضعف قدرتها المرافعاتية .

من هنا يبدو أن اللجنة الاستشارية المكلفة بملف الجهوية لها قراءتها الخاصة لخلاصة التعديلات و المقترحات التي طرحتها الأحزاب و فعاليات المجتمع المدني على طاولتها.

دعونا نلقي نظرة مختصرة عن السياق التاريخي ،فاعتماد المغرب لمقاربة الجهوية، جاء في ظل الحراك الأوروبي الذي حاول بلورة استراتيجية بديلة للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية المحلية عن طريق تعبئة الموارد البشرية و الامكانات المحلية من أجل ترسيخ الديمقراطية بمعناه الشمولي. و يمكن الاستشهاد على ذلك بالتجارب الأوروبية في هذا الصدد ( إيطاليا – 1948 ؛ ألمانيا 1949؛ اسبانيا 1978… ) والمغرب بدأ يروج لهذه الجهوية نهاية الثمانينيات، و أشار إليها في دستور 1992؛ لكن هذه الفكرة لم تتطور و لم تظهر بالشكل المطلوب بسبب عدة عوائق بنيوية تحكمها بعض العراقيل الادارية و القانونية ، والعراقيل المجالية ( الأراضي السلالية – أراضي الكيش…. ) والعراقيل السياسية (المتجلية في صراع المواقع بين الأحزاب و تسابقهم نحو تدبير الشأن العام مهما كلف الثمن)  و العراقيل الاجتماعية ( المرتبطة بالتركيبة السوسيو-ثقافية للسكان بكل تمظهراتها اللغوية و الاثنية و الفكرية و الثقافية,,,) زيادة على العراقيل الاقتصادية وتباين طموحات كل منطقة و أولوياتها .

لكن العائق الرئيس – دائماً في تقديري – هو أن تنزيل الجهوية كانت تحكمه هيمنة عقلية ،لا أقول متحجرة ، و لكن غير قابلة للتغيُر ،و غير مستعدة للانخراط في مخططات التغيير. و للأسف هي التي ما تزال مسيطرة على مراكز القرار الاداري و السياسي؛ زيادة على الارث الاستعماري الثقيل ، و الهاجس الأمني الذي يؤطر كل محاولة للإصلاح ، و فكر الحجر و الوصاية الذي ما يزال يمارس على تدبير الشأن العام.

في ظل كل هذه الظروف ،فالجهوية المتقدمة المرتقبة قد لا تأتي بجديد، فهي بعد لم تحض بما يكفي من النقاش المعمق حول ماهيتها، سواء في وسائل الاعلام من أجل تنوير الرأي العام، أو من خلال النقاش العمومي في المنتديات و اللقاءات ، أو حتى النقاش الداخلي للأحزاب و قواعدها و تنظيماتها المختلفة.

وعليه ، فلسنا مستعدين لتقبل جهوية متقدمة صورية أو غير ناضجة، فكل ولادة قيصرية لهذه الجهوية ،قد يجرنا إلى نقاشات و مزايدات لا تخدم فلسفة الجهوية القائمة أساساً على تصور واقعي لحاجاتنا ،و تحديد موضوعي لا مكاناتنا ، و طرح صريح لمشاكلنا، من أجل بناء تصور استراتيجي يمكننا من تدبير شؤوننا ضمن تخطيط شمولي متكامل ومدمقرط,

فالتنظيم السليم و المعقلن للجهوية ،يجب أن يقوم على مبدأ تخليق الحياة العامة، بكل ما تحمله العبارة من معنى. وذلك انطلاقاً من إسناد المهام و الوظائف و المسؤوليات للمؤسسات و الأفراد على أساس الكفاءة و الاهلية و الخبرة و تكافؤ الفرص، مع ربط هذه المسؤوليات طبعاً بالمحاسبة، و تدقيق آلياتها و الحزم في تنزيلها. و هذا – للتذكير – هو سر نجاح بعض التجارب الأوروبية التي تسعى إلى تطوير الفكر الديمقراطي من أجل ممارسة الاختلاف و التمايز في حاجات و أولويات كل جهة.

لكن ما يبدو في الأفق ، أن الجهوية المرتقبة ، يتم الاسراع بإقرارها بناء على توافقات سياسية ، و تقطيعات تخدم أجندة انتخابية محضة، وهذا منزلق خطير ، إضافة إلى الضغوط الخارجية التي ما تزال تمارس على المغرب من أجل الاسراع بإيجاد حل لقضية الصحراء المغربية، و هو ما يبرره مقترح الجهوية الموسعة بالأقاليم الصحراوية المغربية كبديل للحكم الذاتي.

فهل الجهوية المتقدمة ستكون رافعة حقيقية للتنمية ،أم مشجباً نعلق عليه اخفاقاتنا في التدبير و الحكامة ،و تجربة مستنسخة  تحاول مواكبة و مجاراة التحولات الاجتماعية  و السياسية  من أجل امتصاص الاحتقان الاجتماعي الذي يظهر بين الفينة و الأخرى على شكل وقفات أو احتجاجات تصل في بعض الاحيان إلى مستوى المواجهات ؟ بمعنى آخر ، هل المقاربة الأمنية هي ما يحكم تنزيل المشروع الجديد للجهوية، أم هو خيار استراتيجي لتحقيق التنمية؟  

لقد انتهت صلاحية النسخة المستوردة من الغرب، و ما التفكير في جهوية متقدمة إلا دليل من بين الأدلة التي تؤكد الاعتراف الضمني بعدم ارتقاء حصيلة العشرية من التجربة الجهوية إلى مستوى التصور الذي حُدد لها. مما يفرض إنتاج تصور بديل بناء على تقييم موضوعي ونقد مُواطن للحصيلة.

    لكن تخوفات المجتمع المدني و تساؤلاته تبقى مشروعة:

= فهل يمكن الحديث عن جهوية متقدمة أو موسعة ،دون استحضار أهمية تأهيل العنصر البشري، حيث ما تزال العقلية القبلية تتحكم في موازين القوى و تحسم السباق الانتخابي؟؟

= و هل يمكن الحديث عن جهوية متقدمة أو موسعة  دون التفكير الجدي في دَمَقْرَطَة المناخ السياسي في المغرب، و محاربة الفساد و المفسِدين و جعل النخب السياسية قابلة للتجدد؟

= و هل يمكن الحديث عن جهوية متقدمة أو موسعة  دون تحيين الترسانة القانونية وجعلها تواكب هذه التحولات ، والاسراع في تبسيط المساطر الادارية – التي لا تزال و للأسف جد معقدة – خاصة المتعلقة بملفات الاستثمار؟؟

= و هل يمكن الحديث عن جهوية متقدمة أو موسعة  دون وضع آليات جديدة و متجددة  كفيلة بخلق تنمية شاملة مع احتفاظ كل جهة بهويتها و ثرواتها و تضامنها؟

= و هل ما تزال الفرصة سانحة أمام المجتمع المدني من أجل التفكير أو إعادة التفكير في إنتاج مقترحات بديلة و تسجيل طموحاته و  توجساته حول المشروع الجديد ؟ أم أن مناقشته و تدارسه للملف يتم خارج الآجال القانونية ، و أن الصحف طُويت و جَفت الأقلام و كان ما كان، و كل نداء بعد ذلك يعد صرخة في واد؟

إن الحديث عن منطقة الجنوب الشرقي كنموذج للتقسيم الجهوي المرتقب تحت مسمى ” جهة درعة – تافيلالت” موضوع يتم تداوله  بجدية  في الأيام الأخيرة من خلال إعادة التفكير و انتاج مقترحات بديلة، أهمها تقسيم الجهة  المرتقبة إلى جهتين متضامنتين، تتقاسمان هم السنين و التهميش و دور الدركي بحكم الموقع الجيو سياسي؛ و نظراً لشساعة المجال الجغرافي، و في ظل الوضع الحالي( السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي )، و بعيداً عن النوايا و المحاولات المتفائلة لتلميع الصورة البئيسة للمنطقة ، لن يكون المخرج السليم إلا بتقسيم المنطقة إلى جهتين (مهما كانت مسمياتهما ) ، و هذا لن يتحقق إلا بتقاسم جميع الفعاليات   لهذا الطرح و تعميق النقاش بشأنه ،وإعداد ملف مرافعاتي قوي متكامل و مقنع تدافع عنه جهة ورزازات الكبرى و جهة تافيلالت من منبر واحد و بلسان واحد.

   إن عدم قدرتنا على إنتاج  النخب السياسية المتجددة ، و عدم أخد التصورات و المقترحات البديلة بعين الاعتبار، و الركون إلى قوانين غير محينة لا تساير تسارع الاحداث و التحولات المحلية و الاقليمية و الدولية، قد يدفع إلى استيراد تجارب  يصعب تكييفها مع خصوصياتنا ، ويجعلنا – من جديد نجتر   تبعات التجربة السابقة  للجهوية و  التي كانت ، لا أقول فاشلة ، و لكن غير ناجحة  لعشرية قادمة يسير فيها المغرب بسرعات تساوي عدد جهاته المرتقبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock