مقالات رأي

الإفلاس الأخلاقي وتدهور منظومة القيم

عندما نتأمل في بعض أحداث هذا الاسبوع من زوايا عدة، كحدث نهب اغنام الكسابة بسوق المواشي بالدار البيضاء، و سرقة بعض المتعافين من كورونا بالمستشفى الميداني لابن سليمان للأغطية ”والروبينيات” وغير ذلك مما خف وزنه وغلى ثمنه. وكذا اقتحام حاجز الدرك الملكي بالقوة في طريق اغرم نوكدال بين مراكش وورزازات …وغيرها من الأحداث المماثلة، نجد أن ما وقع مؤشرات خطيرة ومفزعة تدق ناقوس الخطر، و تدل أولا على فشل مؤسسات التنشئة الإجتماعية والدينية في التربية والتأطير من أسرة و مدرسة مرورا بالمسجد والجامعة ودور الشباب…وتدل على أن أولويات الدولة مغلوطة، و سياسات “العكر على الخنونة” التي تنهجها الجهات المسؤولة لتغطية الحقائق وتزييطف هذا البؤس المجتمعي المهول، وأن ما تتغنى به الدولة وتطبل لها المؤسسات الإعلامية الرسمية والشبه الرسمية من نجاح مبادرات واستراتيجيات وخطط اجتماعية واقتصادية ماهي الا زيف بعيد عن الواقع، وأن ما ألف مذيعوا واعلاميوا قنوات الصرف الصحي تلاوة تفاصيله وترويجه من ثقافة البندير واللامعنى، عبر تسطيح العقول صباح مساء …اتضح الآن جليا بأنها سياسات فاشلة لن تخلق إلا مثل هذه النمادج الغريبة من المواطنين والرعايا المغلوب على أمر الكثير منهم !!

إن ما قام به المواطنون برحبة الأغنام بالحي الحسني….وما قام به العائدون من الموت بمستشفى بن سليمان ، إن دل على شيء فإنما يدل على انهيار المنظومة الأخلاقية وخلل كبير في منظومة القيم ببلادنا !
حينما يسمح المواطن المغربي لنفسه بالاستيلاء غصبا على كبش مواطن مسكين آخر لإحياء شعيرة دينية تتناقض مقاصد تشريعها مع ما شاهدناه من فوضى ونهب في أفظع تجلياته، وحينما يجد عائد من القبر الوقت والقدرة والرغبة في سرقة صنبور ، منشفة، مصباح أو مجرد غطاء سرير … من مستشفى عمومي، وهو الذي كان قبل يوم بين الحياة والموت يستنجد بما في المستشفى من اطقم وتجهيزات …فلابد من التوقف مليا ودق ناقوس الخطر وإعادة ترتيب الأولويات وتقييم التوجهات الكبرى للمملكة.

فصحيح ان مسؤولية الفرد والمواطن هنا جلية للعيان، الا أنه من منظور علمي اجتماعي لا يمكننا ” فردنة الأزمة” والقول بأن المشكل في الفرد وليس في النظام السياسي، ونسيان دور الدولة والنسق العام في ما آلت اليه الأوضاع….كما انه لا يمكن محاولة تفسير هذه الأحداث من منظور اقتصادي فقط…فليس الفقر أو الحاجة أو أية جائحة أخرى سبب رئيسي ووحيد لما شاهدناه….بل هو الإفلاس الأخلاقي الناتج عن التمكين لمنطق الفئوية والصراع الطبقي والتمكين لموجة الحرية العمياء ولقيم العولمة الشرسة بدون احترام خصوصيات المجتمع المغربي و تفكيك الأسرة الضامنة للتماسك الاجتماعي، وتقزيم دور المسجد والمؤسسات الدينية، وتدمير المنظومة التعليمية والتربوية وحصر دورها في تنميط وتعليب العقول وتفريخ قوالب فارغة صالحة فقط للاستهلاك والتقليد و تعزيز آلية إعادة انتاج نفس المنظومة المهترئة والهشة التي يسودها منطق الريع، الاستبداد والفساد السياسي وتنقصها قيم التضامن والعدالة الاجتماعيةوالاقتصادية والمجالية.
الإفلاس الأخلاقي وتدهور منظومة القيم بالمملكة اضحى معضلة مركزية يجب الإنتباه إليها وإعادة الاولويات الكبرى لمحاصرتها، ولا فرق في ذلك بين طبقات وفئات المجتمع. بين الفقير والغني، بين الأمي والمتعلم، بين المواطن البسيط وبين رجال الدولة والمؤسسات. بين السارق بالعنف والسارق والمستبد بالحيل والتأكيدات الخادعة، بين السارق والمستبد باسم السياسة، او باسم الدين، وبين السارق والمستبد باسم القانون وباسم الوظيفة.

فالجميع سواء، في مرتبة واحدة، فسوء التربية، وغياب الضمير و الوازع الأخلاقي تجمع بينهم. ولا فرق بينهم سوى اشمئزاز وتقزز العامة!، أو في قوة ومكانة السارق والمستبد؟، أو في اتقان فعل السرقة!، أو تقبل الفعل من طرف الغير و العامة بالقوة! وبالخوف؟ أو بالتطبع!. وهنا يظهر عمق الازمة، فالسارق في نظر المجتمع المغربي، هو من ضبط متلبسا بالسرقة؟ أما من تمكن من النجاة؛ فهو طاهر طهور الملائكة التي يظهر سلوكها.

تورار محمد
استاذ التعليم الثانوي وطالب باحث بجامعة محمد الخامس بالرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock