مقالات رأي

مقال : ورزازات جوهرة الجنوب الشرقي للمغرب… قِبلة سياحية وسينمائية عالمية”

بِقلم رضوان جخا مُدون مغربي، فاعل مدني ، ناشط شبابي،

إنها وَرْزَازات جوهرة الجنوب الشرقي بالمغرب، كانت تُسمى قِدماً “تَمَغْزَزت”، ورزازات كلمة أمازيغية مكونة من شقين؛ الشق الأول” وَارْ “بمعنى ” بدون” والشق الثاني “زَازات” بمعنى “ضجيج”، فورزازات تتسم بهدوئها ومناظرها الطبيعية الخلابة وتراثها السوسيو_ثقافي و اللاّمادي الغني جدا لذلك فهي تعد مركزاً سياحيا هاما وقبلة سينمائية عالمية هذا بالإضافة إلى أهمية موقعها الإستراتيجي بفعل تواجدها في ملتقى الطرق بين أقاليم زاكورة، تنغير، الرشيدية، مراكش، طاطا، تارودانت وأكادير.
لقد أُحدث إقليم ورزازات يوم 20 مارس من سنة 1956يقطنه حسب آخر إحصاء عام للسكان والسكنى (سنة 2014) أزيد من 297 ألف نسمة موزعين عبر أزيد من 54 ألف أسرة، إقليم ورزازات يقع جنوب شرق المغرب يحُدّه شمالا إقليم أزيلال وشرقا إقليم الرشيدية وغربا إقليم طاطا وجنوبا إقليم زاكورة ، يضم الإقليم 17 جماعة ترابية، أما فيما يخص التقسيم الترابي الجديد فورزازات تتواجد بجهة درعة تافيلالت.

_ ورزازات رأسمال لامادي مذهل :
إن غِنى الرأسمال اللاّمادي لورزازات ليس وليد اليوم بل هو نتاج سيرورة تاريخية، فورزازات كانت ولازالت مَثار إعجاب وإندهاش العديد من الأنتروبولوجيين والسوسيولوجيين والباحثين الأجانب، فإذا ما أردنا تحليل وتمحيص جزء من البنية السوسيو ثقافية لهذا الإقليم نجده متنوعا فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد نظام القبيلة بأبعادها التعاضدية التي أفرزت دراسات تاريخية خاصة في المرحلة الإستعمارية مع رواد النظرية الإنقسامية ( التجزيئية) ودراستهم لمكونات وأبعاد القبيلة بمختلف ربوع المغرب ومكوناتها كالفخدة، المَدشر، نظام التْويزا الفريد من نوعه المبنى على التعاون والتآزر، اللّف وغيرها من الأبعاد، أما إذا تطرقنا لتمظهرات وتجليات التراث الثقافي التي تزخر بها ورزازات يجعل زوراها مُندَهشين منها على غرار فن “أَحْواش” الذي يعبر تجسيدا تاريخيا في الثقافة والهوية الأمازيغية ، فَنّ يرتكز بالأساس على إبداع لغوي رائع في طرق الحكي المتداولة شعبيا والممزوجة بين الموسيقى والإيقاعات والمُسَاجلات الشعرية عبر آلات موسيقية تقليدية كالبِندير والناقوس والطبول والدفوف، أما الزي التقليدي الذي يرتديه الرجال والنساء خلال تلك المناسبات يُضْفي رونقا خاصا، فالرِّجال يرتدون عمامات بيضاء ويتقلّدون خَناجِر فضيّة ومحافظ جلدية مزركشة بالحرير تُعرف باللغة الأمازيغية بإسم “أقراب”، في حين تتزيّن النساء بالحلي التقليدية وإرتداء الزّي التقليدي الخاص بهن والذي يُسمى باللغة الأمازيغية”تَاطِّرْفت”.

_ ورزازات هوليود إفريقيا :
تُلقّب ورزازات بهوليود إفريقيا لكونها قد شهِدت ولاتزال تَشهَد تصوير العديد من الأفلام العالمية على غرار” المصارع، عودة المومياء، لورنس العرب، لؤلؤة النيل، كليوباترا…” ، أكيد هناك عِدّة عوامل جعلت من ورزازات قاطِبة للسينما الدولية من أبرزها المؤهلات الطبيعية المتنوعة التي تزخر بها إضافة إلى البنية التحتية السينمائية المهم عبر استيديوهاتها الكبيرة ، كل ذلك ساهم بشكل كبير في جذب عشاق السينما إلى ورزازات.
إن تصنيف ورزازات قبلة سينمائية ليس بمحض الصدفة بل هو نتاج تاريخي عريق، فورزازات قد عرفت خلال القرن الماضي تصوير أول فيلم سينمـائي في المغرب كان بعنوان “راعي الماعز المغربي” الذي أنتجه مؤسـس الفن السينمائي الفرنسي لويس لوميير سنة 1897 ، إذ كان من بين التجارب السينمائية الأولى في العالم بعدها انضافت أسواق أوروبية جديدة ابتداء من سنة 1927 عبر تصوير الشريط الألمــاني” عندما تعود السنونو إلى أعشاشها”، ومنذ تلك الفترة إلى حدود الساعة مازالت هوليود افريقيا تستقطب أفلاما عالمية وانفتحت على أسواق أخرى غير أوروبية على غرار السوق الأميركية و الكورية الجنوبية والبرازيلية والكُوبية…

_ ورزازات بنية تحتية سينمائية تتَطور :
تتوفر ورزازات على أستوديوهات ضخمة خاصة بالتصوير السينمائي مما ساهم في تطوير البنية التحتية السينمائية بها، دون نسيان الدّيكورات الطبيعية ومتاحف السينما المتواجد بها والتي أدهشت المخرجين السينمائيين والممثلين العالميين الذين يتوافدون إليها ، هذا بالإضافة لكون عدد مهم من شباب ورزازات اكتسبوا خبرة في هذا الميدان عبر الإشتغال في “الكومبارس” في عدد كبير من الأفلام التي يتم تصويرها بالمنطقة.

_ ورزازات قبلة سياحية مذهلة :
يتميز إقليم ورزازات بموادره الطبيعية الخلابة والمتنوعة قبلة سياحية بإمتياز جعلت منه أيقونة على شكل فُسَيفساء فريدة من نوعها تكشف مفارقات عديدة، فتَارةً نتحدث عن برد قارس تعرفه بعض مناطقه من خلال تساقط كثيف للثلوج يكسو قمم جباله والقرى والقريبة منه، وتارةً أخرى نجد طقسا حارا و كثبان رملية شبه صحراوية وفيـافي جرداء بمناطق أخرى من الإقليم وتارة أخرى واحات خضراء ومنابع لا تنضب ، كل تلك المفارقات شَكلت إنعكاسا إيجابيا جـعل ورزازات حاضرة للسياحة الجبلية والواحية بالمغرب لتَكُون قبلة للسياح من مختلف بقاع العالم ولا غَرابةً إن كان وجدنا سياح شرق آسيا على غرار اليابان يتوافدون بنسبة مهمة لإقليم.

_ ورزازات إقليم القصبات ،القصور التاريخية و والواحات النابضة:
عندما نتحدث عن ورزازات يَسْتحيل أن نَغْفل قصباتها وقصورها الضاربة في جذور التاريخ وواحاتها الرائعة، فإذا تحدثنا عن القصور والقصبات بالمغرب نجد أشهرها مُتَمَوقِعة بورزازات، وقبل ذِكر بعض منها تجدر الإشارة إلى أن القصبة أو “تِغْرِمْتْ” كما تُسمى باللغة الأمازيغية هي تصغير لكلمة “اِغْرِم” بمعنى القصر أو الدار الكبيرة المبنية بالحجر والتي لها أبراج وتقع في الغالب على مرتفع منعزل مشرف على حوض ماء أو على وادي، كما قُلتُ سالفا فأشهر القصور والقصبات بالمغرب متواجدة بإقليم ورزازات والجنوب الشرقي للمملكة بصفة عامة فعلى سبيل المثال لا الحصر نَذكر” قصر أيت بن حَدّو “الشهير عالميا الذي تم تصنيفه قصر آيت كتراث عالمي من طرف اليونسكو عام 1987، قصر يعبر عن إبداع منقطع النظير في هندسته المعمارية فهو عبارة عن مجموعة سكن جماعي يحوي في تفاصيله جوامع واِسطبلات وقاعة اجتماعات ومدارس داخل أسوار دفاعية معززة مع أبراج عالية وأقسام علوية مزينة بالزخارف ، أما قصبة “تِيفّولْتُوت” فهي مَعلمة تاريخية فريدة تُطل على وادي بحيث شكّلت إلى جانب إستقطابها للسياح خلفيةً سينمائية لأفلام عالمية من أبرزها فيلم” لورنس العرب”، أما فيما يخص قصبة “تَاوْريرت” التي تعني بالأمازيغية المرتفع أو الهضبة فهي تعد من أكثر المواقع الأثريّة جاذبيّة للسياح إضافة إلى كونها حَاضنة للعديد من الأنشطة الفنية والثقافية، إذ شُيدت القصبة حسب الروايات الشفهية سنة 1754، وقد تم بناؤها بمواد محلية على غرار الطين المخلوط بالتبن كما زُيّنت سقوفها بخشب الأرز الذي تم جَلبه من غابات الأطلس المتوسط ومن القصب ومواد طبيعية أخرى، أما بخصوص قصبة” تِلْوات” فهي صِرح معماري أنتربولوجي عظيم شُيّدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من طرف” محمد إيبيبط” وبعد وفاته انتقلت ملكية القصبة إلى “عائلة الكلاوي” التي أشرفت على استكمال بنائها الذي يبرز رونقها وروعة هندستها مما جعلها تُصنّف ضمن إطار الموروث الحضاري الإنساني الذي يشهد له بالجودة العالية.
إن الحديث عن الواحات بإقليم ورزازات هو حديث ذو شجون نظرا لِغِناها هي الأخرى وتعددها من أهمها “واحة سكورة” التي تقع في ضواحي مدينة ورزازات، تُعرف هذه الواحة بمناظرها الخلابة بحيث تمتد على طول ثلاثة وديان رئيسية؛ وادي دادس شرقا ووادي الحجاج الذي يخترقها من الوسط غربا ووادي إِمدري الذي يحدها غربا، أما بخصوص “واحة فِينْت” فهي من المناطق السياحيّة الرائعة وطنيا، بحيث تضمّ مجموعة من الحدائق المزروعة بشكل مُتناسق والبيوت المبنية وِفق الطراز التقليدي المغربي.

ختاما إنطلاقا من كل هذه التّجليّات والتّمظهرات نكتشف روعة ورزازات القبلة سياحية الفريدة التي تستحق زيارتها، مناظرها الطبيعية الخلابة ومَوْروثها اللامادي الغني جدا يجعل زوارها معحبين بها، إنها ورزازات جوهرة الجنوب الشرقي للمغرب.

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock