مقالات رأي

أيام ورزازات الأولى-الحلقة الأولى

 محمد ابن تيزى-ورزازات اونلاينأستعير هذا العنوان من سيرة ذاتية للكاتب والصحافي السوداني المقيم بالمغرب،طلحة جبريل والتي عنونها ب”أيام الرباط الأولى” وذلك لأحكي للقراء الكرام قصة طفل – كنته- وافد على ورزازات خلال نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي. وصلت سيارة الأجرة من نوع بيجو404 ذات الأضواء الخلفية المتلثة الشكل،والتي تشبه أبراج كنيسة ألمانية،إلى محطة ورزازات والتي كان الناس يسمونها “الكراج”..حيث تصطف سيارات النقل الأخرى ،وقربها حافلات قليلة تنتظر في كسل دورها لبداية مسيرتها المملة عبر تلك الطرق الضيقة التي تبدو من بعيد كخيط أسود رفيع..المقهى الرئيسي في الساحة التي يسمونها محطة ممتلئ بمسافرين جلهم جنود بلباسهم العسكري وهم يدخنون سيجاراتهم في انتظار العودة إلى الصحراء المغربية بعد أن قضوا عطلة قصيرة بين أحضان أهلهم في تلك القرى الكثيرة المتناثرة خلف جبال ورزازات الشاهقة…نزل الطفل من سيارة الأجرة مرتديا سروالا من نوع “باطيليفان” بعد أن قضى العطلة بقريته النائية،ووالده بجلبابه الصوفي يمسك قفة بها ما لذ وطاب من السمن والبيض البلدي والجوز وخبز “تافارنوت” الذي يشبه خريطة قديمة كبيرة الحجم مليئة بنقط سوداء،نظر الطفل الصغير إلى أعلى التلة القريبة من المحطة فأصاب بصره مبنى العمالة التي توصف اليوم أيضا بالقديمة وكلها أبراج وحراسة،ومن الجهة الأخرى وفوق تلة أيضا انتصب “خزان المياه الشهير” الدائري الشكل بخطوطه البيضاء وكأنه فارس يحرس هذه المدينة الصغيرة..اليوم وبعدما كبر صاحبنا يتذكر تلك السنين البعيدة ويلاحظ ما طرأ على المدينة من تغييرات،ولكن وحده خزان المياه يقف شامخا وصامدا كعادته،بل إنه قد واكب العصر وحمل فوق رأسه هوائيات كثيرة لشركات الهاتف المحمول الذي كان مجرد التفكير في وجوده إبان تلك السنوات ضربا من ضروب الخيال العلمي. جلس صاحبنا بجوار والده بمقهى قريب من المحطة قصد احتساء كأس من الشاي،وداخل ذلك المقهى أثار انتباهه صورة منحوثة من الجبص لملك التحرير محمد الخامس،وانطلق بخياله الصغير يتأمل الجالسين بالمقهى قبل أن يقطع تفكيره صوت “رباب”يعزف عليه أحد “الروايس” الذين يتسولون بفنهم عبر أغاني يدعون فيها مع المسافرين،وأخرى هزلية ينتزعون بها من شفاه الناس ابتسامة أو ضحكة.أعجبته عمامة “الرايس” وكذا خنجرة اللآمع،ثم ما لبث أن انطلق مع والده ،عبر طريق معبد بأحجار متراصة بشكل منظم مثل طرق روما ذات عصر،مرا بجانب بنايات من النوع المفكك تسمى بدوار العسكر يوجد بالقرب منها ملعب لكرة القدم بجانبه مدرج صغير للجمهور كان الأطفال يسمونه “لا تريبون” وهو المدرج الذي تظهر من خلفه وعبر خطوط الشمس الحارقة بناية “مدرسة المعلمين”…كانت سيارة الأجرة الصغيرة تمر ببطئ من حين لآخر،أما عبر شارع محمد الخامس فقد كانت تمرق بسرعة مخترقة صمت المكان في انتظار مرور سيارة أخرى بعد دقائق،وقد كان أغلبها من الأنواع القديمة من سيمكا وفياط وبيجو والتي تبدو أنذاك مواكبة للعصر بل فخمة. وصل صاحبنا رفقة والده إلى “دوار الشمس”،مسجد الحي عبارة عن أعمدة حجرية بعد توقف البناء فيه،و”المارشي” القديم عبارة عن متاجر صغيرة الحجم تقف على واجهة بعضها لوحة حديدية تحمل صورة لقلاق أبيض،إنه إشهار مشروب “لاسيكون” …وعلى ذكر الإشهار فقد كان لهذا الأخير تأثير كبير على حياة أطفا ل الأمس كما اليوم،فقد كانت شاشة التلفاز الكبيرة، ذات الباب الزجاجي الذي يغلق بمفتاح غالبا ما تحكم الأم إخفاءه،كانت حافلة بإشهارات كثيرة مثل دفتر سومابا وعصير سان سوس و صابون الكف وأخيرا وليس آخرا صيحات ثريا جبران “آناري جابها فراسو” والوصلة التي تتحدث عن حوادث السير التي لاتزال مستفحلة اليوم رغم تطبيق المدونة المعلومة..ورغم أن التلفزة لم تكن “تشتغل” أكثر من ست ساعات إلا أن صاحبنا الصغير قد استأنس بأصدقاء التلفاز قبل أصدقاء الزنقة التي كان يسكنها،ف “ماجد اللعبة الخشبية” يِؤنس وحدته وكذلك”غراندايزر” و”توم سويير” الطفل الأمريكي الصغير وصديقه الذي يسكن بيتا من خشب في أعلى شجرة على ضفاف نهر الميسيسيبي..وكذلك برامج “التلفزة المدرسية” و”تعليم اللغة الإنجليزية” والإيطالية و “الوقت التالث” كلها كانت برامج مفيدة افتقدها جيل اليوم،بعد أن قيل أن قناة رابعة أصبحت جزيرة تائهة وسط محيط متجتمد قطبي لاتلتقط إلا عبر قمر صناعي يختلط فيه الحابل بالنابل. كان الطفل الصغير قد بدأ الإستئناس بأصدقائه الذين كان لهم برنامج سنوي يتضمن لعبة خاصة بكل فصل،فمن “الدوامات” إلى الدراجات المصنوعة من السلك،إلى لعبة كرة تسمى “ماسة” وهي بالطبع ليست ماسة التي تقترن اليوم بسوس ودرعة،ويحولها البعض إلى كلة “ماصة” للدلالة على ما زالت تعانيه ورزازات إلى اليوم من تهميش…(يتبع)

 

 

 

 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock