مقالات رأي

مسرح ورزازات و سؤال الولادة

لماذا لا يولد المسرح بورزازات؟  

بقلم: عبد المجيد أهرى، طالب باحث و مسرحي-ورزازات اونلاين

 

       انطلاقا من سؤال الناقد العربي الفلسطيني الدكتور حسام الخطيب، في معرض حديثه عن قضية النقد الأدبي العربي الحديث، وطرحه لإشكال مركزي:” لماذا لا يولد النقد العربي الحديث”. سنحاول أن نقتبس منه صيغة هذا الإشكال، و نعيد صياغته من أجل الحديث عن واقع الممارسة المسرحية بمدينة ورزازات، التي تحاول البحث عن نقطة البداية، من هنا سنحاول تشخيص بعض مواطن الداء، التي لا تسمح للجسد المسرحي الورزازي أن يستقيم، و لا أن ينجب مدرسة حقيقية تساعد على الدفع بعجلة الفن المسرحي بالمغرب.

         قبل الحديث عن هذه الممارسة، لابد من الحديث عن سياق أعم، و تجربة أشمل، في كون المسرح المغربي المعاصر، لا يزال يعيش مشاكل عدة، تتعلق بغياب فلسفة واضحة لوزارة الثقافة    والمؤسسات التي تشرف على القطاع، خاصة ما يتعلق بسياسة الدعم المسرحي ومحاولة احتواء مجموعة من الكفاءات الفنية و الطاقات التي تتلقى تكوينها  في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، أو الدفع بالتجارب المسرحية في المدن التي عانت ويلات التهميش لعقود طويلة، والتي ليست في خريطة البنيات المسرحية خارج محوري الدار البيضاء و الرباط، أو تلك التي تتعلق بالمسرحيين المغاربة الذين ما يزال الدعم المسرحي بصيغته المعروفة يشغل بالهم و يحتكر نقاشاتهم، إضافة إلى الاستحقاقات الجديدة مثل بطاقة الفنان أو التغطية الصحية وغيرها من المطالب، و لكن ليس هناك- حسب الدكتور سعيد الناجي- تفكير معلن في مطلب تأسيس مسرح محترف حقيقي.

      يمكن الحديث عن البدايات الأولى التأسيسية  للممارسة المسرحية بورزازات، منذ سنة 1978 مع ميلاد جمعية النادي الثقافي بتابونت، رفقة مجموعة من الفرق( الفرقة الفنية لجمعية الهدف الثقافية و الفن…) التي كانت تحتفل بإبداعها على خشبة مسرح الهواة، قبل أن يلفظ أنفاسه المتقطعة الأخيرة، لتنتهي معه تجارب مسرحية حاولت الإقلاع بالفن المسرحي بالمنطقة.  لتبقى جمعية النادي الثقافي بتابونت بمحاولاتها الجادة آخر الفرق  المسرحية التي لا زالت صامدة، تحاول أن تدافع عن تاريخ و مسار فني ، بالفلسفة نفسها  والأشخاص عينهم، مما يستوجب من القائمين على هذه الجمعية، طرح  مجموعة من الأسئلة بقوة و بكل واقعية حول مسار الجمعية و اختياراتها الفنية، التي يجب أن تساير واقع المسرح المغربي، و مسارات المسرح العالمي.

       بانتهاء زمن  مسرح الهواة، تكون الممارسة المسرحية بورزازات أمام تجربة جديدة ، بدت في مراحلها الأولى نعمة، حيث  سيطرت تجربة مسرح الشباب على الساحة الفنية، و انتهت نقمة  حيث لم تستطع مع مرور السنوات الأخيرة، أن تدفع بعجلة المسرح الورزازي إلى الأمام، بالرغم من التجربة  الفريدة، التي تحاول جمعية فوانيس أن تكرسها، من خلال البحث في التراث الأمازيغي، لتكن(  مايكا د ميتكا، المرأة تهشمت، بوترشومين) عناوين مسرحية حاولت أن تفتح صفحة جديدة من الممارسة المسرحية. و لكن ولأسباب يمكن أن نجملها في : غياب سياسة واضحة من لدن المؤسسات التي تشرف على القطاع خاصة وزارتي الثقافة و الشبيبة و الرياضة في تدبير المناخ الفني و الثقافي بالمنطقة، و كذلك لغياب حس التكوين المستمر لدى الشباب إلا ثلة  استطاعت أن تلتحق بالجامعة المغربية، لتنخرط في تجربة المسرح الجامعي  كما هو الحال  بالنسبة لمحترف صمويل بكيت.

       كما تعرف الساحة الفنية والثقافية والجمعوية في هذا الإقليم، سيطرت ثلة من الأشخاص على جميع الأنشطة الفنية و الثقافية و الجمعية، مما يستوجب معه  طرح مجموعة من الأسئلة  حول التكوين المستمر لدى هؤلاء الأشخاص، ناهيك عن فتح المجال في وجه المواهب التي تزخر بها المؤسسات التعليمية في شتى مناحي المجالات الفنية، و التي تعتبر من الروافد الأساسية لضخ دماء جديدة في الساحة الفنية والثقافية و الرياضية..

       و بالرغم من أن الإقليم يحظى بملتقى وطني للمسرح و الذي تشرف على تنظيمه جمعية فوانيس، بدعم من المندوبية الإقليمية لوزارة الثقافة، و الذي أطفأ شمعته الرابعة في مارس من سنة2011،      رغم التطور الذي حققه منذ أولى دوراته، فإنه مازال بعيدا عن المحاولات الجادة في ترسيخ و تطوير الثقافة المسرحية بمدينة ورزازات، و ذلك لغياب الندوات و ورشات التكوين و مناقشة العروض، إلى جانب أشياء أخرى، كما يحظى الإقليم بمهرجان دولي للمسرح، الذي تشرف عليه جمعية النادي الثقافي و الذي لم يستطع أن يحقق على الأقل ضبط برامجه السنوية، لأسباب تتعلق بسياسة الدعم التي لا يحظى بها هذا المهرجان، و ما خفي كان أعظم.

       بالإضافة إلى غياب سياسة واضحة لتشجيع الممارسة المسرحية و تطويرها، من لدن الوزارة الوصية وذلك بغياب ورشات لتكوين المسرحي على مدار السنة، و حرمان المدينة من مشاهدة العروض التي تحظى بالعدم المسرحي، و غيرها من البرامج التي يمكن أن تدفع بعجلة المسرح في هذه المدينة التي تعج بالعديد من الممثلين الذين يحضرون بقوة في الأفلام العالمية التي تصور في هوليود المغرب، هذا إلى جانب تراجع مؤسسات دور الشباب عن دورها الأساسي  في التكوين الشباب.

       كما لا ننسى، غياب الشروط الاجتماعية و السياسية و الحضارية التي تمهد لنشوء مدينة بكل مقوماتها العمرانية و البشرية و المدنية الأساسية إلى جانب غياب قاعة للمسرح و السينما والساحات العمومية  التي يجب أن تحل فيها قوة الكلمة و الحوار والإقناع محل علاقات القرابة العشائرية و قيم الولاء و الشرف و الهيمنة التقليدية التي تنخر الجسم الورزازي.

       في ظل غياب كل هذه الشروط، لا يمكننا الحديث عن مسرح حقيقي، لأنه في نهاية الأمر لم يولد بعد. و لكن الأمر يتعلق بشعلة مسرحية تحاول أن تتلمس الطريق وفق الإمكانيات التي تتوفر عليها، لتبقى عبارة عن تجارب مناضلة تحتاج طرح الأسئلة الجوهرية بقوة، و زعزعة كل الأركان التي تشكل النمط السائد من الممارسة التي  تغيب عنها أبسط مقومات العمل، في ظل ترقب الجمهور الورزازاي، لميلاد تجربة حقيقية و بداية مسار جديد، يعلن عن حضور هوليود المغرب كتجربة  رائدة تساهم في الدفع بعجلة المسرح المغربي.
 
 

 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock