مقالات رأي

العنف والتطرف، الأسباب السيكولوجية

كريم اسكلا-ورزازات اونلاين

يعتبر التطرف ظاهرة اجتماعية قديمة قدم العلاقات الإنسانية، إلا أن أشكاله و تمظهراته و أسبابه تبقى متغيرة تبعا لتطور المجتمعات. ففي خضم الصراع حول السلطة داخل الجماعات البشرية، قد تغالي جماعة ما في سلوكاتها ومواقفها كي تتميز عن الآخرين، و كي تشكل قوة أكثر تنافسية. فالتطرف ( أو التعصب ) هو الخروج على المألوف بالمغالاة في الرؤى والسلوك.

 يرتبط مفهوم التطرف بالعديد من المفاهيم كالتمييز و العنصرية و التعصب  الديني أو الطائفيي أو الجنسي  ، وفي الغالب ترتبط هذه السلوكيات المتطرفة بسلوكيات مادية متطرفة أو عنيفة في مواجهة الأفراد أو المجتمع أوالدولة. إن الانتصار للعنف يتغذى من نزعات الإنسان الحيوانية الغابرة التي تعود إلى زمن ما قبل التعاقد الاجتماعي، ليتخذ التطرف في العصر الحديث أشكالا و تمظهرات عديدة، تختلف من حيث درجات خطورتها، و من حيث موضوعها وغاياتها. لكن التطرف بشكل عام راجع إلى أسباب سوسيواقتصادية بالأساس،إذ أن تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية و السياسية و الثقافية…و تمزق الأفراد بين نماذج معولمة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب… كل ذلك يتسبب للفرد العربي و المغاربي بالسقوط في مأزق الانتماء، حيث يجد الفرد نفسه ممزقا و متشظيا بين مجرات وإشكالات فسيفسائية  مختلفة إلى حد التناقض، و إن لم يستطع التكيف معها و التوفيق بينها لينعم بتوازنه الوجداني، فانه عندئذ يبقى طعما سهلا لأي جماعة متطرفة قد تستغل ذاك الخواء العاطفي و الفكري الذي يعاني منه.

و إذا كان التطرف ظاهرة اجتماعية  إلا أن له خلفيات سيكولوجية، باعتباره سلوكا عصابيا مرضيا ،حيث يمكن أن نشير إلى بعض الأسباب النفسية المؤدية للتطرف و التعصب كالآتي:

1)         الدوافع التدميرية النفسية المتأصلة: و مصدرها غريزة الموت والميل التدميري ( العدواني ) سواء الموجهة إلى الذات أو إلى الآخر، و هو ميل متأصل ضارب الجذور في تكوين الأفراد .

2)         ضعف ” الأنا العليا le moi supérieur – ” وسيطرة ” الهو Ego -” ، على الشخصية الإنسانية: فيتصرف الشخص في هذه الحالة وفق غرائزه الحيوانية المتماهية مع من  يعتقد أنهم رمز للقوة والمثل الأعلى له، وتتكون هذه الشخصية لدى الأفراد الذين يعانون  عقدة نقص، بالتالي تكون هذه الميول ردة فعل للإحساس بالضعف والعدوان الدفين. فقد يلجأ الفرد تخلصا من القلق ومشاعر الإثم المرتبطة بنقائص يدركها في شخصيته وسلوكه إلى إسقاط هذه النقائص على الآخرين، فإذا كان كاذبا  مثلا اتهم الكل بالكذب و سعى إلى محاربتهم.

3)         تضخم الأنا العليا بسبب الشعور المتواصل بوخز الضمير: وهذا رد فعل من الفرد لتطهير ذاته والتعويض عن تقصيره تجاه نفسه أو معتقده الديني، وغالبا ما يقترن ذلك بالاشمئزاز من النفس والاكتئاب لتستحوذ عليه حاجة ملحة لانتقاد نفسه والسعي إلى إنقاذها من الهلاك.

4)         الإحباط و الفشل في الوصول إلى الأهداف أو الرغبات: فهناك من يتمرد ويظهر السلوك العدواني أو المتطرف نتيجة شعوره بالهزيمة أو الفشل و الجرح النرجسي، وكلما كان موضوع الإحباط مهما لدى الشخص أو يتعلق بمجال حيوي ومباشر، كعدم حل عقدة أوديب –  complexe oedipe –  مثلا،  كان الإحباط أشد وظهرت ردة الفعل بصورة أقوى وأعنف.

5)        هذيان العظمة و هذيان الاضطهاد -/ paranoïaque Délire paranoïde : هذيان العظمة هو عرض مرضي عقلي، ويعني اعتقادا يسود فكر المريض بأنه شخص عظيم. و هذا راجع إلى عدم تجاوز مراحل التمركز حول الذات و عدم النجاح في تجاوز مرحلة المرآة ، حيث يشير “لاكان Jacques Lacan – ” مثلا، إلى أهمية تجاوز طور المرآة –  Le stade du miroir- في بناء الذات السوية.و هذا ما نلمسه عند بعض الأشخاص –كبعض المشايخ و المتفيقهون مثلا – الذين يتمادون إلى حد تاليه أنفسهم. كما أن الإسراف في السيطرة والعقاب الصارم، هذا فضلا عن الاختلال الأسري، و الفقر… وكذلك الصدمات الانفعالية والأمراض الجسمية الشديدة في الصغر، قد تولد لدى الفرد مشاعر الاضطهاد التي قد تؤدي إلى سلوكات ومواقف عنف و تطرف.

6)         الشخصيات الفصامية : الشخصية الفصامية –  Dissociatif- تمثل حالة مرضية تجعل صاحبها منفصلا عن الواقع، مخطئا في تقدير ظروفه، خاليا من المشاعر، وغير مكترث بشيء ( أي غير مبال ).

 

إن تلك الأمراض و العقد ذات الطبيعة السيكولوجية تختلف من فرد إلى فرد من حيث الدرجات و من حيث الخطورة، فكلنا مرضى سيكولوجيا، لكن الفرق هو في مدى و كيفية السعي لتحقيق الاستواء و التوازن النفسي.

و إذا كانت مسببات التعصب متنوعة و متعددة فمظاهره متعددة كذلك، فقد يأخذ التطرف شكل التمييز على أساس الجنس أو السن، فالشاب قد يعلن عن انتمائه لعالم الذكور/الفحول باحتقاره لعالم النساء، أو عن انتمائه لعالم الكبار بتعسفه على عالم الصغار. كما قد يأخذ شكل التمييز على أساس اللون (أسود/عزوة/عزي/سوقي/… # الأبيض) أواللغة ( شلح/عروبي فسني/شيعي.بي /متحضر/مديني )،أو على أساس  العرق، أو الدين و العقيدة ( مسلم /مسيحي…# كافر)، أو المذهب و الطائفة ( سني/شيعي…# كافر ) أو الانتماء الجغرافي ( فاسي /رباطي… #  ورزازي/ صحراوي …)… ( نحن # هم). إن التعصب بشكل عام هو احتكار المرء للحقيقة و الفضيلة، فيكون الآخر دائما على خطأ وباطل و أقل شأنا و أقل ذكاء. فالمتطرف كأنما يقول لك: من حقي أن أتكلم.. ومن واجبك أن تسمع.. ومن حقي أن أقود.. ومن واجبك أن تتبع.. رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ لا يحتمل الصواب. يبرز التطرف إذا كشكل من أشكال الجمود الفكري و شكل من أشكال رهاب الاختلاف باعتباره عجز المرء عن تغيير وجهة نظره ووضع نفسه مكان الآخـــر لفهمه وتفهم وجهة نظره.

إن غريزة الظهور التي تغدي كل تلك الأشكال من التطرف و التعصب لا تقف عند هذا الحد بل تتعداه بانخراط الفرد المتطرف في جماعات انتماء توفر له غطاء روحيا و فكريا و دينيا، فعملية إثبات الوجود تكون في الغالب من خلال الاندماج  في جماعة معينة يتماهى معها الفرد  إلى درجة أن آراءه هي أراء الجماعة التي ينتمي لها، بشكل تذوب فيه شخصيته وعقله وتغييب روحه النقدية. انه تجلي فاضح لمبدأ الوصاية على العقل و النفس و الجسد،  إن هذا المبدأ يفسر الانتماء لجماعات الماريخوانا ،و الحشيش ، و” الماحيا – الخمر الرخيص -“، والجماعات الدينية ، والعصابات الإجرامية،… فالانتماء من الأمور الحيوية في حياة الإنسان بل لا يكاد يخلو أحد منه سواء كان إلى قبيلة أو دين أو لغة أو قومية أو طائفة. لكن المشكلة تكمن في أن يكون الانتماء طريقة لإقصاء الآخر غير المنتمي إلى نفس الطائفة أو الدين ومن هنا تكثر المنازعات والخلافات، وبالتالي تنجر إلى عصبية ومن ثم التطرف و العنف.

فالإنسان قد يقضي حياته يدافع عن أرائه وعقائده التي ترعرع في كنفها ونشأ عليها وهي بالنسبة له من المسلمات الغير خاضعة إلى نقد أو تحليل ، وحتى لو امتلك هذا الإنسان الشجاعة في مناقشة أرائه فان هذه المناقشة أو التساؤل لا يرتقي إلى عملية النقد العلمي البناء.

نلاحظ مثلا أن الكثير من الشباب عندما ينتمي إلى مجموعة معينة فهو يقلدها، أي يقبل أرائها دون فكر وروية و دون تمحيص، وهنا تكمن خطورة التعصب لأنه يعد خطوة الانطلاقة إلى ظاهرة التطرف، وباختصار فادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة يؤدي إلى التعصب،و التعصب يؤدي إلى التطرف ثم ينتهي إلى العنف . فقد برزت بشكل ملفت  الكثير من التيارات التي تتخذ العنف وسيلة للتغير والإصلاح سواء كانوا من مسلمين أو غيرهم… وهذه الظاهرة الخطيرة التي باتت تهدد العالم في أمنه واستقراره وتعيد للأذهان صور الدمار والخراب التي خلفتها أعمال هذه الجماعات المنحرفة؛ منشؤها الحقيقي هو تطرف الفكر. فإذا تطرف فكر الفرد اتجه به نحو التشدد والغلو، تم ترجمه جرائم واعتداءات و تدمير للأنفس والجماعات. يبدأ الأمر إذن بالتعصب لفكرة تعصباً لا يعترف معه الشخص للآخرين بوجود، و تشبثه بفهمه تشبثا لا يسمح له بالنظر بمنظار مخالف. و قد يذهب هذا التعصب إلى أقصاه حين يستغل الدين في الترغيب و الترهيب، عملا بقانون من هو مع تصوري للدين فهو امن و من ضده فالسيف و التقتيل والسبي…، و هذا ما نشهده في المجتمعات المعاصرة حيث ينخرط بعض الشباب في جماعات تتحدث باسم الدين والله و تسقط عصمة الآخرين، وتستبيح دماءهم وأموالهم، ولا ترى لهم حرمة ولا ذمة، لا لشيء سوى لأنهم لا يشاطرونها الأفكار نفسها.

 فذلك الشاب التائه بين طواحين الإفلاس المستديم و البطالة و تفسخ مؤسسة الأسرة بعد أن أجبر الآباء على الصراع من أجل الخبز و الضروري من الأشياء، و تهلهل المؤسسات التعليمية و فشلها في الإدماج السوسيواقتصادي لأفواج من حملة الشواهد، و المجتمع المدني المدين – عليه ديون تبعية للدولة – … ذلك الإنسان التائه لا بد و أن يستجير – كالمستجير من الرمضاء بالنار – بأقرب مجموعة من البشر تبشره بالحور العين و النعيم، و تتوعده  بالجحيم، بطبيعة الحال لن يقبل إن يعيش في جحيم آخر.

 ليس غريبا أن أفراد مثل تلك الجماعات يشتغل بالمسائل الجزئية والأمور الفرعية، فنرى كثيراً منهم يقيم الدنيا ويقعدها من أجل حلق اللحية أو الأخذ منها أو إسبال الثياب، أو تحريك الإصبع في التشهد، أو اقتناء الصور الفوتوغرافية،أو تلاوة الأدعية في الوضوء،أو التحية و رد التحية،أو البدء بالميامين،أو عند الرد في الهاتف هل نقول “ألو Allo –  ” أو السلام … !  منتصرين للدين الطقوسي على حساب الدين الروحاني. و الغريب  حقاً أن من هؤلاء الذين يثيرون الجدل في هذه المسائل الجزئية وينفخون في جمرها باستمرار، هم أكثر الناس تفريطاً في واجبات أساسية مثل: بر الوالدين،  أو أداء العمل بإتقان، أو رعاية حق الزوجة و النساء، أو حق الأولاد، أو حق الجوار،… مبتعدين عن جوهر مفهوم الدين باعتباره الالتزام بالقيم الأخلاقية بمعناها الجمالي، ومبتعدين عن القضايا الكبرى للإنسان كالعدالة و الكرامة. كيف لا و هؤلاء الشباب المغرر بهم يُدفعون إلى ترك تلقي العلم من العلماء و رجالات الفكر و من الكتب العلمية، بل يُجرون جرا  إلى مجالسة الأصاغر والتتلمذ عليهم، أو الأخذ من الكتب الصفراء.

زبدة القول أن التطرف و التعصب  باعتباره نتيجة للأزمات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الفكرية والنفسية هو في الآن نفسه تكريس لعوامل الظلم و الاهانة و الفقر و ليس بأي حال من الأحوال  تغيير لها. لا يمكن للفكر الأحادي – الدوغمائي – المتطرف أن يينع إلا في بيئة تقتل الاختلاف و التعدد،  في بيئة اختار  أفرادها التمركز حول دواتهم، والنكوص إلى مراحل  الانغلاق والانكماش  الجنيني ، نكوص إلى الفطري ضد المكتسب، نكوص إلى التقليد ضد الحداثة، نكوص إلى الحيواني ضد الإنساني. بالتالي فلتحصين أنفسنا من تلك الأمراض و المنزلقات ليس أمامنا سوى تعزيز ثقافة الحوار و الانفتاح، و الرأي و الرأي الآخر،و الانتصار للعقل و المنطق و المصالح المشتركة، و امتلاك الشجاعة لنقد الذات، والاعتراف بالخطأ، والترحيب بالنقد من الآخرين، وطلب النصح والتقويم منهم، والاستفادة مما عندهم،…

إن المبدأ الإنساني الأخلاقي يفرض علينا الإيمان بالحق في الاختلاف، بما يتضمنه من معاني التسامح والاعتراف بالآخر و التعايش المشترك، و إعلان الانتماء إلى الإنسان و الانتصار للجمال و الحب. في مواجهة الأعداء الحقيقيين: كالظلم، و الفقر، والجهل، و الحروب، والكراهية وغياب الحريات والحقوق…

 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock