مقالات رأي

سامي دقاقي : الحمّام السياسي

بقلم: سامي دقاقي
الدخول إلى الحملة الانتخابية عند بعض الأحزاب في المغرب، هو أشبه بدخول “متاهة ديدالوس”، لا يكاد يظهر منها “راس الخيط” حتى يختفي مرة أخرى، وبلغتنا العامية بحال “دخول الحمّام”، مع فارق بسيط ومهمّ، هو أنّ الخروج منه يكون أكثر “وسخا” عند بعض أهل السياسة، بمعنى أنّ الآية مقلوبة، فالمرشح يدخل “الحمّام” نقيّا ونظيفا،ويخرج منه “وسخا” و “ملوّثا”، وهكذا يصير مرة أخرى “دخول الحمّام ماشي بحال خروجو”. تبدأ الحملة عادة ب”تحياد الحوايج باش يبان العيب”، ثمّ اختيار أجمل “السطولة” و “القباب”، فالدخول إلى “الحمّام السياسي”.. هناك بعض المرشحين الذين يفضلون الجلوس في الغرفة الأولى القريبة من “الخرجة” لأنها تكون “باردة”، فهؤلاء يعلمون مسبقا أنّ دخولهم الحمام هو مجرد درّ للرماد في عيون عباد الله، ولا تهمهم النتيجة أو العبرة بقدر ما يخدمون المظاهر والصّور، وهم من فرط سعادتهم بهذا “الحمام السياسي” وتسخين “الطرح”، يصدق فيهم المثل الشعبي القائل: “بالفرحة دالحمّام تحزّمت من الدار”. مرشحين آخرين “يفرّشون” في الغرفة الوسطى، “ما سخون ما بارد” أو “سخون وبارد”، وهؤلاء يرغبون من جهة في المظاهر، ومن جهة أخرى في النتائج المريحة، لكن “بلا ما يعرقو” أو “يسخفو”، وبين الفينة والأخرى تجدهم “تيضربو طليلة على السخون” في محاولة فاشلة لتجريب “أنفاسهم”. الحزب الثالث من المرشحين يدخل رأسا إلى “السخون”، ويصبح امتدادا ل “البرما” و “الطايب”،وهؤلاء المرشحون غالبا ما يتمدّدوا زمنا لا بأس به على أرضية “الحمام السياسي”، من أجل أن تنفذ “السخونية” إلى عظامهم البردانة، فيتقاطر “الدود” من جسومهم. هذا الصنف عادة ما يكون “متسخا” للغاية، والوسيلة أيضا، فيلجأ إلى “الكيّاس” ل “يفركه” و “يمطّطه”، صحيح أنّه يخرج منه “وسخ الدنيا والدين”، لكنه يكسبه “وسخا” آخر مختلفا ومتنوعا يجمعه من أرضية الحمام التي عادة ما تسمع فيها “تكرديعة” مدوّية على الحوض أو الركبتين.. من عجائب وغرائب “الحمام السياسي” أنّ بعض مرشحي “السخون” لا يخرج “وسخهم” ولو ب”الصابون البلدي” و”تكياست” و”المحكّات”، ولو مكثوا بالحمّام دهرا، فلحومهم “مكنززة” ومحصّنة ضدّ “النظافة”، بحيث يصير مبلغ همّهم من دخول الحمّام هو “التبياض” و”النور” ناسين أو متناسين أنّ “الحمام لو كان يبيّض، يبيّض قبابو”، صنف آخر من هؤلاء يغدو مريضا بالبحث عن عيوب مفترضة، ووشوم متوهّمة في أجساد المرشحين من عباد الله حتّى يهنأ بالهم وتقرّ سرائرهم، ويتأكدون أنّ “ولاد عبد الواحد كاع واحد”، بينما في الواقع أنّ “ولاد عبد الواحد” مختلفون ومتمايزون بشكل لا تخطئه عين ولا قلب ولا عقل. أحيانا كثيرة يحلو لهؤلاء المرشحين “المهووسين” بالماء أن يحيطوا بهم دوائر من “السطولة” و”القباب” (على حسب الحمّام) مغذّين بذلك رغبة “الوجاهة” و”الانتماء” التي تسكنهم على نحو مرضيّ، فتراهم يحاولون جلب انتباه كلّ من بالحمّام بطريقة أو بأخرى، ولو اقتضى الأمر أن يظلوا طول الوقت يعوون: “وااااطلق السخووووووووون”! ، بالرغم من أنّ “البرما” تكاد تفيض..أهو خوف من الماء؟ أم خوف على الماء؟ بالمقابل هناك من يدخل “الحمام السياسي” في صمت بليغ، ومن دون بهرجة أو تبويق كاذب، مزوّدا بعدّته، واثقا من نفسه، يقضي وطره على نحو ما اعتاد عليه من وقت وحركة ومساحة، ثمّ يخرج بشكل طبيعي وواقعي، يزيده نورا “نور الحمّام”.. مناسبة هذا التشبيه الوارد أعلاه، تزامنت مع الحملة الانتخابية لانتخابات 25 نونبر 2011، وما رافقها – كالعادة- من “ألعاب بهلوانية”، و”عروض مسرحية” للدمى والبشر على حد سواء، و”تزواق”، و”غزو”، و”قصف”، فالعديد من “الأحزاب” التي لا تثق في نفسها حتّى،كما تشي بذلك مضامين خطاباتها، وشعاراتها، تحاول أن تكتسب ثقة الشعب الذي “عاق” و”فاق”. الخطير أنّ “تحزّابت” هذه الإطارات المنفوخة “عالخوا” صارت تحاول سرقة منجزات أحزاب أخرى لها ماض ضارب الجذور في السياسة والنضال، وقرصنة مكتسباتها التاريخية لأجل فرض وجودها ولو من “وراء حجاب”، بينما تسعى أخرى إلى الانحشار أو الاختلاط على شكل “عرّام تشيش” في إطار وهمي مدارية ضعفها وقزميتها وخواءها، أو نافخة أوداجها الخطابية مستأسدة على نحو كاريكاتوري. إنّها “كائنات مملكة الليل” التي تحدث عنها الكاتب المغربي إدريس الخوري في مؤلفه “التتياك السياسي” الصادر عن منشورات سلسلة شراع (2001)، وهي كائنات وإطارات “أفرزتها (كما عبّر الخوري في عزّ حرارة ومرارة انتخابات 1997) مرحلة “التتياك السياسي” والدخول من النوافذ إلى البيوت الكبيرة وتبويس الأكتاف وترديد كلمة “وحنا” والانحناء من بعيد والتصفيق المتهافت، كذلك مرحلة تفريخ الأحزاب والجري وراء الولاءات والتقرب من الرئيس وكتابة خطبه السياسية المناسباتية والوقوف وراء المنصات حتى يحسب عليه،كلّ هذا من أجل مقعد، إن لم يكن في المجلس البلدي، ففي البرلمان، وذلك بأيّ ثمن، إن لم يكن بالمال(وهو كثير ومتداول في كلّ حملة) فبالوساطات والتزكيات، إن لم يكن باحترام المرشح الآخر الخصم، في إطار الشفافية، فبالسبّ وتشويه سمعته، والنيل أمام الجمهور من شخصه أثناء الحملة…”. في الواقع، وحتى بعد مرور 14 سنة من ممارسة السياسة كما أشار إليها الخوري، لا يزال يختلط عندنا الحابل بالنابل، ولا يزال البغاث بمغربنا يستنسر، فاللعبة لم تنته(كما توقع الخوري في مؤلفه) بل اشتدّ وطيسها حتى أزكم الأنوف دخانها، ولوّث القلوب سخامها، فمن كان يستثمر 50 مليون سنتيما في شراء الذمم والأصوات، وتجهيز الحملة كأنها “عروس”، أصبح ينفق 200 مليون سنتيم وأكثر، ومن كان يكتفي بالسبّ والشتم وتشويه السمعات والأعراض،صار يلجأ للإجرام والعنف، ومن كان جهده ومبلغ حيلته ينحصر في الأوراق والمنشورات، والزيارات الليلية سواء المتفق بشأنها أوالمباغتة ، أضحى اليوم يركب أمواج “الفيسبوك” و”التويتر” و”اليوتوب”. كلّ شيء تغيّر: المفاهيم، العناوين الكبرى، الرهانات، آليات الاشتغال، استرتيجيات التفكير والتخطيط… وحدها “قواعد اللعبة” ظلّت رهينة حسابات لها منطقها الخاصّ(والفاشل عموما) في تدبير الشأن السياسي، ومراكمة المزيد من الخسارات في مدونة تاريخ المغرب الحديث، “لعبة” لا يهمّ فريقها سوى الصراخ بملء الكذب: “واااا طلق السخووووووون… !”، حتى وإن كانت “البرما” السياسية تفيض بالفعل على جنبات الحمّام، وعباد الله “يسلقون” مثل البيض…

سامي دقاقي/ كاتب و صحافي 
06.77.14.93.22
[email protected] [email protected]

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock