الرياضة

أسس الشرعية في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية

 

 
الشرعية في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية *
 
كريم اسكلا

فبعد سلسلة التهاوي المتسارع لمجموعة من الأنظمة السياسية العربية، و في ظل تصاعد موجات الحراك الثوري الاحتجاجي ضد حكام آخرين، للمرء أن يتساءل عن السبل والوسائل التي انتهجها هؤلاء الحكام  للوصول إلى الهيمنـة على شعوبهم كل هذا الزمن ؟ و كيف و لماذا سقطت أنظمتهم فجأة بهذه السرعة و بهذه الطريقة ؟ كيف يتم بناء وتهديم شرعية نظام حكم سياسي ؟ و بتعبير آخر،  بما أنه لا يمكن لشخص أو لفئة أن تبسط هيمنتها إلا بتواطؤ  من الفئة المهيمن عليها، فكيف انتزعت الأنظمة الحاكمة في الدول المغاربية و المشرقية شرعيتها؟  و ما هي العوامل التي أدت بالشعوب إلى الثورة عليهم و إسقاط الشرعية عنهم ؟ أشخاص و عائلات هتفت بأسمائهم حشود من الناس لعقود، كيف تنهار أنظمتهم في ظرف شهر أو شهرين؟ … لا يمكننا بالمطلق التوصل إلى أجوبة مقنعة لكل تلك التساؤلات، و هذا المبتغى لا نرجوه أصلا، إذ يكفينا أن نستفز في الفكر بعض التساؤل و القلق.

في مجتمعات ما قبل الثورة التونسية بنيت المشروعية على أسس تاريخية مشكوك فيها، كما بنيت أيضا على أسس خرافية عاطفية و دينية، والذي يؤسس شرعيته على ما هو ديني و عاطفي لا يفترض فيه أن يكون منحلا خلقيا و لا يتصور أن يشاهد في سلوك يتناقض مع القيم التي يؤسس عليها مشروعيته، كأن يستمد شخص شرعيته من قيمة الصدق والأمانة و العدالة أو من قيم تحرم  التدخين و الخمر و الزنا و الربا… و يكتشف فيما بعد أنه يسرق أموال الشعب، أو يرتشي من أعداء الدولة أو يتاجر في التدخين و الخمر أو يتناوله … لا يمكن أن يتقبل العقل بدعوى الحرية الشخصية  عدم التوقف عند مشهد أن شخصية عامة ممن يؤسسون شرعيتهم على تصور ديني كاثوليكي، في حالة عري سافر في الفضاء العام أو في حالة سكر أو في مشهد جنسي غير قانوني … يحرمه هو ذاته. كما أنه  لا يتصور أن يؤسس شخص شرعيته على قيم الحداثة و التنوير و يكتشف فيما بعد أنه يصادر حق الأخر في الاختلاف. أو أنه يستغل السلوك الأخلاقي لغاية ما كالحصول على منصب ما، فالمفترض منه أن يتمسك بالقيم الأخلاقية بمعناها الكانطي، أي دون أن تكون لسلوكاته الأخلاقية غائية سوى الأخلاق ذاتها.

بتعبير آخر، أن يشاهد شخص يستمد شرعيته من إرثه التراثي الديني المحافظ في مكان أوسلوك مناف لقواعد المرجعية التي يقول أنها تحكمه، لا يجب أن يمرر على أنه حياة خاصة. (كأن نكتشف أن الخليجيين المفترض فيهم أنهم من نسب نبوي شريف و محافظين إلى درجة فرض النقاب على النساء و منعهن من  سياقة السيارات و تنفيد أحكام الحدود ضد السارق و الزاني، أن نكتشف أنهم يمارسون كل أنواع الجنس والدعارة و السكر و العربدة و الربا و القمار …). كما أن مشاهدة تقدمي علماني يطالب عادة بحياد المؤسسة الدينية وضرورة انصرافها عن التدخل في السياسي، أن يشاهد و هو يقوم بحملة انتخابية داخل أو أمام مسجد أو مؤسسة تعبدية لا يجب أن يمرر على أنه سلوك مدني عاد.

حرية شخصية أن يتناول مواطن الخمر أو الدخان…، حرية شخصية أن يختار المرء شريكه من الجنسين، حرية شخصية أن ينفق المرء ماله الذي كسبه بطريقة شرعية على اقتناء ما شاء من فيلات وسيارات… كلها تدخل في الحياة الخاصة و الحميمية للأفراد و التي لا يجادل أحد في ضرورة احترامها و تقديسها، لكن عندما يتعلق الأمر بشخصيات عامة ، المفروض أن تكون الشعوب فوضتها مسؤولية تسيير شؤون الدولة و الحفاظ عليها، على هذا المستوى لا حدود بين المجال الخاص و المجال العام، بالتالي  و من باب تفعيل مبدأ الرقابة و المحاسبة، يصبح من الواجب أخلاقيا الكشف عن الحقائق  التي تتعلق بمشروعية فرد ما داخل حقل من الحقول الاجتماعية حتى و إن كانت تلك الحقائق تدخل ضمن خانة الحياة الحميمية.

في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية يجب أن تؤسس الشرعية على القبول بالرقابة والمحاسبة. فكل من يتحمل مسؤولية ما، يجب أن يسلم مسبقا بضرورة محاسبته خلال و بعد تحمله للمسؤولية، فلا شرعية لمن لا يتقبل الرقابة والمحاسبة. إذ أن كل صاحب سلطة سياسية أو قضائية أو تشريعية أو تنفيدية أو دينية … لا يتمتع بأية شرعية متى لا ينصاع دوريا لمحاسبة المواطنين. إننا بهذا المعنى نتجاوز النظريات التقليدية التي ترى أن شرعية الحاكم لا تعني بالضرورة أنه صالح و عادل بل فقط تعني أن المحكومين يعدونه ذو سلطات شرعية دستورية. فلا يكفي أن يجمع الناس على شرعية حكم شخص لكي يكون كذلك، ففي مجتمعات ما بعد الثورة التونسية  أصبحنا نتحدث عن الشرعية من جانبها التقييمي ( كما يحددها تالكوت بارسونز-  Talcott  Parsons  ) و من جانبها التقويمي ( كما يحددها  ليبست –   Lipset)  أي الشرعية  باعتبارها تقييم للفعل وفق القيم العامة والمشتركة، ضمن سياق المشاركة الفعلية في النظام الاجتماعي، لتتخذ نماذج  التدبير و التسيير شكل بناء تركيبي قيمي تتجسد فيه القيم والمعتقدات والأفكار المشتركة لتحدد وتنظم وتؤثر في الوقت نفسه في ممارسة القوة و السلطة. إذ ذاك تكمن الشرعية في قدرة النظام على توليد وتدعيم الاعتقاد بأن المؤسسات هي الأكثر ملاءمة لذلك المجتمع، ويقدّر الأفراد والجماعات شرعية نظامهم السياسي أو عدم شرعيته، طبقاً للطرق التي تلتقي فيها قيم هذا النظام مع قيمهم. فالشرعية هنا ليست مسألة تقييمية فحسب، بل هي تتحقق بقدر ما يكون هناك تطابق في القيم. فالنظام السياسي الشرعي هو الذي يمتلك القدرة على الحكم من دون استعمال وسائل القمع والقسر والإكراه المادي و المعنوي. و الوصول إلى ذلك يستوجب أمرين أساسيين هما:
              1     – الوحدة الفعلية بين أهداف السلطة وأهداف المجتمع بغالبيته الكبرى:

لا يتصور بعد الآن أن يستمر نظام حكم سياسي يقوم  على  أهداف و مصالح أقلية  فئوية أو نخبوية ضيقة. فقد أثبتت الثورات الشعبية في تونس و مصر و ليبيا واليمن و سوريا … أنه لم يعد ممكنا للمثقفين أو لأقلية أو نخبة أن تدعي الوصاية على الشعب باعتباره أميا أو غير مؤطر أو غير مشارك أو غير مبال أو جاهل… لم تعد الشعوب تقبل بحكم عشيرة أو أسرة أو أقلية ما، فالشعوب هي التي قررت ماذا و كيف و متى تريد. ففي تونس و مصر  مثلا بعد سقوط كل من بن علي و مبارك، تابعنا كيف كان التفاعل بين الشارع و الساسة إلى أن ثم التوافق حول مبادئ و أهداف و ممارسات معينة.

و في المغرب مثلا حاول النظام من خلال خطاب 9 مارس إعادة بناء تعاقد اجتماعي جديد من خلال تسطير الثوابت المقدسة للدولة (الإسلام كدين للدولة الضامنة لحرية ممارسة الشعائر الدينية، وإمارة المؤمنين، والنظام الملكي، والوحدة الوطنية والترابية، والخيار الديمقراطي ) و سبع مرتكزات للإصلاح الدستوري ( قد نعتبرها هنا أهداف السلطة ) و التي من المفترض أن تكون هي أيضا أهداف المجتمع أو على الأقل الغالبية الكبرى منه. لكن المتتبع لشأن المغربي يدرك أن هذه الأهداف ليست بالضرورة محط إجماع مطلق. ففي المغرب هناك من لا يؤمن بالخيار الديمقراطي و في أحسن الأحوال يعتبره مرحلة نحو تصوره لنظام الحكم  (كجماعات الإسلام السياسي مثلا )، كما أن في المجتمع المغربي أيضا علمانيون و تقدميون ( يهود و مسيحيون و مسلمون) و لادينيون … ينادون بالدولة المدنية، و بشكل أو بآخر ينادون بإمارة المواطنين بدل إمارة المؤمنين… كما أن في المغرب أيضا من ينادون بالنظام الجمهوري و إن كانوا قلة و صوتهم خافت. كما أن من المغاربة أيضا من ينادون بالنظام الفيدرالي و الحكم الذاتي لبعض المناطق كالريف  و الصحراء… مما يتطلب حوارا جريئا و ديمقراطيا للوصول إلى توافقات و توليفات تحقق رضا  و قبول الأغلبية، و تحقق بالتالي ثورة هادئة فعلية.

       2    – الممارسة الفعلية المعبرة عن هذه الوحدة في الأهداف:

  لا وجود لشرعية مبنية فقط على الوعود و الشعارات أو الخطب الحماسية و الأوراق، إذ أن الشرعية قاعدتها الممارسة. لذا أكد شباب الثورات على عدم الوثوق بالعديد من الشعارات والخطب و الوعود التي أطلقتها الأنظمة قبيل سقوطها. لأن جوهر ممارساتهم قبل الثورة و خلالها تتناقض مع ما وعدوا  به من إصلاحات. رأينا كيف غير الشعب التونسي أكثر من حكومة في ظرف أسبوع لمجرد أنه لاحظ تناقضات بين ممارسات تلك الحكومات و ما وعدت به. و كيف أن الشعب المصري يصر على إسقاط كل رموز النظام السابق و القطع مع ممارساته و ليس فقط إسقاط الحاكم، و في المجتمع المغربي أيضا  نلاحظ كيف يتوجس العديد من المتتبعين –  و حركة 20 فبراير بالخصوص – من فحوى وعود الإصلاح و الثورة الهادئة التي جاء بها خطاب العاهل المغربي في خطاب 9 مارس، خاصة بعد تجدد قمع الاحتجاجات بعد الإعلان عن القيام بإصلاحات دستورية، مؤكدين على أن أي إصلاح دستوري مرتقب يجب أن يصاحبه تغيير عميق في الممارسات. بدءا من معاقبة و محاسبة البطانة  و الحاشية الفاسدة التي جمعت بين السلطة و الثروة اعتمادا على القرب من مصادر القرار، و تفكيك المخزنقراطية – أجهزة القمع البوليسي  و المخابرات السرية و طقوس العبودية السلطانية –  لضمان حق الكرامة و الحرية للمواطنين، وتحويل الأجهزة الأمنية من خدمة الطبقة الحاكمة إلى خدمة الوطن و المواطنين ، و التوزيع العادل للثروات،  إذ أن معالجة الأزمات الاجتماعية كالبطالة و ضعف القدرة الشرائية و الفقر و مشاكل العمال… لا يجب أن يتم بإثقال الدولة بالمزيد من الديون، بل باعتماد العدالة الاجتماعية.

إننا نستطيع أن نقول بأن الحضارة الإنسانية بمجملها في لحظة تاريخية مركزية و مفصلية، خاصة بعد ما سمي ربيع الثورات، فلا شك أن العديد من المفاهيم ستتم مراجعتها و إعادة التفكير فيها، و العديد من التوازنات في العلاقات الدولية ستصاغ من جديد. بحيث تأخذ بعين الاعتبار أهمية القيم الأخلاقية ( الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية ) في سياسة شؤون المواطنين و تدبير الصراعات الاجتماعية و السياسية و الثقافية. انطلاقا من مبدأ أن القيم ثروات لا يسمح المساس بها.

[email protected]
مدونة الهوامش المنسية
 
* هذا المقال مقتطف من دراسة طويلة بعنوان : أسس الشرعية في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية – محاولة في اسباب ثورات الأمم –  نشرت في مجلة الكلمة – مجلة دولية تصدر من لندن – ،كما نشرت أيضا في جريدة الأحداث المغربية العددين 4441 و 4442 و كذا في موقع الشبكة العربية العالمية.

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock