أخبار محلية

الصعود إلى ورزازات : الجدل حول مهرجان أزلاي لازال مستمرا

 
ورزازات أونلاين – المساء
  سلوى ياسين: الصعود إلى ورزازات

اللقاء الأول مع «ورزازات» قد لا يعد بالكثير، لكن حين يتوغل الزائرون داخلها تمنحهم أكثر مما يمكن أن يتوقعوه.. إنها مكان مختبئ خلف الأطلس الكبير ويعلو ألف متر عن سطح البحر، ومع ذلك فهو يختزن كثيرا من مظاهر الجمال والمفاجآت التي تستحق الصعود إليها عبر منعرجات «تيشكا» الخطرة التي لم «تروضها» بعد طرق تليق بها.

        تفاجئك هذه الصحراء الجافة المشعة، فهي مدينة الضوء بامتياز وتخبئ مباهج وخيرات كثيرة  قد لا تمنحها الروابي الخضراء.. مدينة تجعلك، من فرط هدوئها، تتوهم أنها خالية من الأحياء، وتشعر فيها بسلام وسكون حتى إنك لتخال أن سكانها استعاضوا عن الكلام بالهمس والإيماء أو أنهم لا يمشون على أخامص الأقدام بل يتنقلون على رؤوس الأصابع.
     لم تحتفظ «ورزازات» بهذا الصمت على مدى ثلاثة أيام، كانت هي مدة النسخة الأولى من مهرجان «أزلاي»، وهي كلمة أمازيغية تعني طريق القوافل بالعربية، فالمهرجان فسح المجال لإيقاعات إفريقية صاخبة ولفرق موسيقية وندوات نجحت في إخراج المدينة من هدوئها المقدس. واعتنى «أزلاي» كذلك بموسيقى وبثقافة وأذواق إفريقيا الحية، وانتهى تاركا للمدينة ذكريات متوهجة ستسكن طويلا في أذهان الذين حضروا فعالياته. على أن الجميع قد يتفق على أن أحلى لحظات المهرجان هي تلك التي منحها المغني العالمي «ألفا بلوندي» عبر أغانيه وألحانه، وعبر حديثه في المؤتمر الصحفي الذي كشف أنه فنان ذو التزام حقيقي، يحمل أوجاع بلده «ساحل العاج» معه على الدوام ويتحدث بنبرة المشغول بقضايا وهموم إفريقيا التي يتنقل حاملا إياها في قلبه وعلى لسانه أينما حل وارتحل.
    وأفلحت فقرات المهرجان كذلك في الإفراج عن بعض من هوية المغرب الإفريقية التي لم تكن تجد منفذا صريحا لإخراجها من قبل، لنستدرك ما ينساه الكثير من الأدباء والمثقفين وحتى الإعلاميين في بلادنا الذين ينظرون إلى إفريقيا كمكان بعيد، «إكزوتيك» يوجد «هناك»، مع أن «إفريقيا» هنا تحت أقدامنا، والمغرب بلد إفريقي لم يتوقف يوما عن كونه وجها آخر لهذه القارة المتنوعة والغنية بثقافات وحكايات حملتها القوافل والتبادل المستمر بين شمالها وجنوبها، هذا التبادل الذي أغنى هويتنا بروح إفريقيا التي صُنعت من موسيقى «كناوة» وتوابل ونكهات استوطنت منذ مئات السنوات كثيرا من عاداتنا وأذواقنا.
      هناك مدن قد تعد بالكثير عبر أضوائها وبناياتها، لكن لا يكاد المرء يقطنها أو يمكث داخلها بعض الوقت حتى تكشف له عن وجهها المتوحش والقاسي وعن كون بناياتها الشاهقة ليست سوى جدار إسمنتي يمنع عنها الشمس وينجح في ستر فضيحة دور الصفيح التي نبتت كالفطر داخلها.. مدن قسمها سوء التدبير إلى عالمين متباينين، واحد يرفل في مدنية مستحدثة وبنايات عالية، وآخر عشوائي ينبطح أرضا ويعيش على إيقاع الإهمال والفوضى. لكن «ورزازات» مدينة حافظت على نفسها بمنأى عن مثل هذا التمدن الفوضوي والهائج، ونمت على إيقاع مختلف وهادئ، فلا تجد داخلها مكانا لأكاذيب عمرانية أو بنايات شاهقة، لذلك فهي تتنعم بسكينة لا تـُصدق؛ ومن يسكنها يجد نفسه يتهجى حياة حقيقية داخلها ويعيش دون توتر.. مدينة تحب أن يأتيها زائروها على مهل، وأن يتخلوا عن صخبهم وتعاليهم، وألا يدخلوها حاملين معهم عادات التمدن السيئة التي تكمن في النظر إلى الأشياء من فوق.   سلوى ياسين [email protected]

 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
istanbul eskort - adana eskort - eskort adana - eskort - escort

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock