مقالات رأي

أيام ورزازات الأولى – الحلقة الرابعة –

محمد ابن تيزى
أستعير هذا العنوان من السيرة الذاتية “أيام الرباط الأولى”لكاتبها الصحافي السوداني المقيم بالمغرب طلحة جبريل،وذلك لأسرد على القارئ قصة طفل كنته وافد على ورزازات خلال بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي.
…وبالإضافة إلى الأشباح التي تحدثنا عنها سابقا،وكذا الكلبة الضخمة الجثة والتي كانت تخيفنا كتلاميذ صغار،كنا نخاف أيضا من شخص دائم التجوال بأزقة دوار الشمس المليئة بالتراب والرمال،وكان ينادى ب “ي.الهبيل” وقد كان يجلس في أغلب الأوقات قرب حنفية قديمة، وقد كنا نضطر إلى الالتفاف عبر مسافات طويلة وعبر أزقة أخرى خوفا من ذلك الشخص للوصول إلى صاحب دكان كنا نبتاع من عنده صورا للديناصورات نلصقها في كتاب خاص بذلك، طمعا في أن نربح جائزة ما بعد إكمال جميع صور الدفتر.
وكان مما يجذبنا أيضا إلى ذلك الدكان طلب “الزريعة” والتي كانت بيضاء بداية،قبل أن يطور صاحب الحانوت الصغير تجارته فأحضر نوعا آخر أسود منها يكون كذلك بعدما يتم قليه مع الملح على مقلاة ينبعث منها أريج لذيذ،كنا نسميها “الزريعة الكحلة” وكنا نشتري منها كميات كبيرة، وكان منا من يمضغها مع قشورها مما جلب علينا سيلا من النصائح خاصة من الشبان الكبار الذين كانو يدرسون بثانوية ولي العهد التي كنا نسميها “الليسي”، فكانو لا يفترون من إعادة تكرار نصائحهم المملة لنا حول خطورة “الزريعة” والتي تؤدي حسب زعمهم إلى تأزم وضع الزائدة الدودية “المصرانة الزايدة” مما قد يزج بآكلها في قاعة عمليات سيدي حساين ليكون تحت رحمة مقصات الجراحين،كان ذلك الأمر يرعبنا فعلا،لكننا ما نلبث أن نجد أولئك “الناصحين” يلتهمونها بنهم، فنضحك في دواخلنا ونبحث مرة أخرى مثل المدمنين عن تلك “الأكلة” اللذيذة.قبل الدخول إلى المدرسة أيضا كنا نشتري تلك الحلوى الرائعة التي تسمى ب “جبان كولوبان”.كان بائع تلك الحلوى يبدو من بعيد بوزرته البيضاء، وهو يحمل تلك العصا الغليضة على إحدى كتفيه كجندي يحرس قصرا رئاسيا، كانت 10 سنتيمات أو ضعفها من تلك الحلوى كافيا لجعل الطفل الصغير الذي كنته يحس بلذة لاتوصف،لا يفسدها سوى قرب وقت الدخول إلى حصة دراسية لن تمر دون عصا، تلك السيدة –العصا- التي فرضت نفسها خلال تلك السنوات،كانت حاضرة في وصايا الآباء إذا ما زارو يوما المدرسة،فيوصون المعلم بأبنائهم خيرا وضمن هذا الخير نصيبه موفورا غير منقوص من العصا والتي كان معلمونا يحضرونها في المحفظة مصونة معززة وتكون إما قطعة من أسلاك كهربائية سميكة أو أنابيب بلاستيكية.
بدأ صاحبنا خلال السنة الثالثة الابتدائية دراسة اللغة الفرنسية بنوع من الشغف،خاصة وأن قصص كتاب a grand pasكانت مثيرة فعلا،فموسى و مينة و الأسرة كلها تجر الكبش دون أن تفلح في إخراجه من الزريبة، ولازلت إلى اليوم أتذكر بكامل الوضوح ذلك الغموض الذي يلف عقلي وأنا أحاول فهم قصة شكيب صاحب المصائب و المشاكل،وخاصة حينما جاء يجر خضرا متنوعة بعد أن أمسكها بخيط عوض وضعها في القفة.أما حصة التعذيب النفسي وحتى الجسدي إن جاز إطلاق هذه العبارة عليها،فكانت حصة تصريف الأفعال la conjugaison حيث كان الصغار يرتعدون قبل بداية استظهار الفعلين “إيتر و أفوار” وكانت أحيانا نكت كثيرة تقع بسبب الخوف الرهيب الذي يصيب المتعلمين،وفي المقابل كانت مادة الإملاء في اللغة العربية تشهد جولات من العصا،فقد كان أحد أساتذتنا أطال الله عمره ينطق الإملاء بنطق رواية ورش،فما أن يخرج الأنبوب البلاستيكي الأحمر و يقول : سنبدأ في مادة “ليملا” ، حتى ترتعد فرائصنا.وللأمانة التاريخية وهذا من المسلمات التي لاتحتاج للنقاش،فإن طرق التدريس في ذلك الوقت كانت ناجحة في صمت، دون هذه الجعجعة التي نسمعها اليوم بلا طحين.
كان المطعم المدرسي بمدرسة حمان الفطواكي من المرافق النشيطة،وكانت لائحة المستفيدين منه محصورة في التلاميذ الفقراء، لم يكن صاحبنا ضمن المستفيدين ولذلك كان الأطفال أمثاله يتمنون الدخول يوما إلى تلك القاعة لاكتشاف ما يوجد بداخلها،فقد كان التلاميذ المستفيدون يخرجون دقائق قبلنا لتناول الوجبة التي تقدم لهم ،قبل أن نلتقي معهم خارج المدرسة قرب الباب وهم يقضمون الخبز المحشو بالسردين، أو التمر،وكانوا أيضا يحدثوننا عن “المقرونية” ومذاقها العجيب…كان بعضنا يسرق ما تبقى من حصة المطعم في يد زميله ليمرق كالسهم،وكان هناك أيضا من يشتري جزءا من خبز المطعم المدرسي الذي كان من نوع “الفورص” مقابل حلوى أو أقلام ملونة،وعلى ذكر الخبز فلا زال صاحبنا يتذكر ذلك الازدحام الذي يكون أمام باب دكان بقال تصله حمولة الدقيق المدعم الذي يسميه الناس ب”العادي” ومرد الازدحام إلى كلفته المنخفضة مقارنة مع الدقيق الممتاز،كان ذلك أحد مظاهر الفقر والحرمان الذي كان سائدا آنذاك،وقد عرف صاحبنا لما نما وتفتح وعيه السياسي أنه عاش خلال تلك السنين في عز تطبيق حكومة المعطي بوعبيد لسياسة التقويم الهيكلي استجابة لإملاءات البنك الدولي وقد تزامن ذلك مع سنوات الجفاف وحرب الصحراء التي حمي وطيسها،ولذلك كنا كأطفال ننظر بإعجاب إلى الشاحنات العسكرية والمدرعات التي كانت تتجه على شكل قوافل عبر شوارع ورزازات إلى المحاميد والرشيدية وغيرهما.

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock