مقالات رأي

أيام ورزازات الأولى – الحلقة الثالثة –

أستعير هذا العنوان من السيرة الذاتية “أيام الرباط الأولى”لكاتبها الصحافي السوداني المقيم بالمغرب طلحة جبريل،وذلك لأسرد على القارئ قصة طفل كنته وافد على ورزازات خلال بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي.

 

ذهب صاحبنا أول مرة إلى الكتاب القريب من مقرسكناه،والذي كان عبارة عن مرأب مجهز بكراسي خشبية يزدحم الصغار فوقها،وليس بتلك الكراسي ما يُتكأ عليه،ولذلك كان المشاغبون الصغار يُمضون وقتهم وهم يتمايلون ويتدافعون ليسقطوا من يجلس منهم على جانب الكرسي الطويل،وذلك في خلسة من أعين الفقيه سي ح،الذي كان يمسك عصا طويلة لها رأس به برعمين على شكل الحرف اللاتيني v وقد كان الفقيه يُدخل تلك العصا وسط غابة شعر من لايحلق رأسه من الأطفال أو من لم يحفظ القرآن فيديرها لتحدث ألما بعد ليِّها لشعرالطفل،وقد كان الفقيه رحمه الله حريصا على تحفيظنا قصارالسور من القرآن الكريم وكان يُتبعها ببعض الشروح حول وحدانية الله تعالى،مما جعل الأسئلة الوجودية تتلاطم في ذهن الطفل فيقشعر بدنه خوفا من نار جهنم،وكان أيضا يتعجب حين يرفع أحد الصغار سبابته ويقول إن الله واحد،وقد كانت والدته تقول له أن الكذابين مأواهم النار فيتحرى الصدق ما استطاع…كان المسجد الوحيد الذي يذهب إليه أهل دوار الشمس هو مسجد تاصومعت الذي لايزال موجودا إلى اليوم بعد توسيعه،ومن  جمعة إلى جمعة كانت بعض قصع الكسكس تصل إلى المسجد،أما بالنسبة للكُــتاب فكان يوم الجمعة يوم عطلة وحتى المدرسة أيضا كان “الكبار” الذين يدرسون في” الإبتدائي الأول” يستمتعون بعطلة يوم الجمعة أو على الأقل فترتها المسائية.كان يوم الأربعاء هو يوم إحضار الواجب الذي كان يسمى باسم اليوم “لاربع”وكان الفقيه ينطقها بلكنته الأمازيغية فيخرج الصغارمن جيوبهم درهما أو بيضة أو أشياء أخرى مما تعطيه لهم الأمهات كمقابل للفقيه،هذا الأخير الذي كان يلبس جلبابا  أو أكثر يضع “قب” إحدى الجلابيب على رأسه بينما تتدلى الأخرى على كتفيه وهو يتمايل مع قراءة القرآن الكريم….مضت سنوات الكُتاب رتيبة التحق صاحبنا بعدها بمدرسة حمان الفطواكي،دخل مرفوقا بعمه ،الذي كان بمثابة والده،إلى ساحة المدرسة،ثم بعد ذلك إلى مكتب المدير الذي كان مزركشا بالصور والأوراق…وفوق المكتب يقف مجسم للكرة الأرضية بلونه الأزرق وألوانه المختلفة التي تمثل القارات الخمس،وبعد إجراءات التسجيل خرج الطفل مرة أخرى إلى الساحة وهو يتأمل الصفوف المنظمة للتلاميذ أمام عمود حديدي يرتفع عبره العلم الوطني مرفوقا بصراخ حناجر الأطفال وهي تردد “منبت الأحرار”،كان تلميذان من “الكبار”وهم من يدرسون بالقسم الخامس هما من يتكلفان برفع الخيط الذي يعلي الراية خفاقة إلى السماء،بعد ذلك ينصرف التلاميذ عبرصفوف إلى أقسامهم في انضباط عسكري.سلمته المعلمة ورقة كُتِب عليها ما يتوجب عليه إحضاره من أدوات وكتب ودفاتر…اشترى تلك المستلزمات من مكتبة الصحراء القريبة من  السينما التي تحمل نفس الإسم اليوم، لكنها أضحت صحراء قاحلة فعلا بعد إغلاقها بينما كانت في تلك التمانينات واحة خضراء مليئة بالمتفرجين..كان أول كتاب أثار انتباهه هو”قراءتي” حيث أتارثه رائحة الورق الرائعة كأريج ورود في حديقة غناء وتمتع بالنظر إلى الصور الجميلة الملونة،فهذه فاطمة تبكي لأن معطفها ملطخ بعدما صدمتها طفطافة،وهذا كريم وكمال يلعبان،وذلك سندباد يركب مخلوقا ضخما يناديه ب سلحفاتي وهو ينشد :سيري سيري سلحفاتي،مسكنك معك حيث سرتِ.

لم تخل أيام المدرسة الأولى من بكاء وخوف بفعل الإنضباط الحديدي والعصا التي كانت ميزة تعليم تلك السنوات،كان صاحبنا يبكي بدمع غزير بمجرد ولوجه القسم وهو يرى تلك المسطرة الحديدية فوق المكتب،وكانت وزرة المعلمة البيضاء أيضا وصورة الصياد على جدار القسم وهو يمسك بندقيته محاطا بكلبين،كافيتين لإثارة الخوف في نفسيته الصغيرة..لكن،مع مرور الأيام ومع لطافة المعلمة ن.ع استأنس صاحبنا بمعية أغلب التلاميذ بأجواء الفصل بل إن أغلبهم أصبح يشتاق للمجيء إلى المدرسة،فقط ما كان يخيف صاحبنا وبعض أصدقائه هو الحي الذي كان يسمى بدوارالعسكر وكانت بناياته من النوع المفكك،ولم يكن الحي حقيقة هو ما يخيفهم بقدرما كانوا يخافون كلبة ضخمة كان مالكها يسميها “نادية”،حيث كان حجمها وشكل أنيابها كافيا لإثارة الرعب في نفسية الصغاروجعلهم يمرقون كالسهام راكضين مثلما كان يفعل عويطة في تلك الثمانينيات،وذلك بعد أن يحكموا إمساك محافظهم المصنوعة من ثوب “الجينز” حتى لا تنفلت منهم…وعلى ذكر المحافظ فقد كان صاحبنا ينظر متعجبا إلى بعض المحافظ التي كان بعض التلاميذ،الذين كان آباؤهم يعملون في ليبيا،يحملونها على ظهورهم وعلى واجهتها قد رُسِم قنديل مشتعل مرفوق بعبارة :”الفاتح ثورة علمية”…كان صاحبنا الصغير يستغرب ويتساءل : من يكون هذا الفاتح ؟ ومن تكون هذه الثورة ؟ قبل أن يعلم لما اشتد عوده أن الأمر يتعلق ببروباغوندا العقيد الليبي التي وصلت إلى المحافظ أيضا…كان يوم الخميس من أبغض الأيام لديه لأن الخروج من المدرسة لا يكون سوى في حدود السادسة مساء بعد أن يحل الظلام،كان بعض المشاغبين من الأطفال يزعمون أن “بغلة القبور” تظهر قرب مدرج “التريبون”الذي يوجد خلف مبنى “مدرسة المعلمين” فكان التلاميذ يسيرون في مجموعات خوفا من تلك الأشباح المزعومة…الآن يتساءل بجدية من هي بغلة القبور الحقيقية؟ أهي تلك الخرافة التي يخشاها الصغار،أم “الفاتح” التي فتحت الآن أبواب الجحيم على شعب مسالم؟

محمد ابن تيزى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock