مقالات رأي

مدارس سكورة … المنشأ و الصيرورة

مدارس سكورة … المنشأ و الصيرورة

 
رشيد سليمان
الجزء الأول : نظرة تاريخية

 يعود إحداث المدارس عموما بمنطقة سكورة (إقليم ورزازات ) إلى مطلع القرن السابع عشر ، و هي الفثرة التي عرفت قيام الدولة السعدية انطلاقا من الجنوب الشرقي للمغرب ككل نحو مدينتي مراكش و فاس و منطقة الشمال ، بعدما عجزت الإمارات الصغيرة التي كانت تسود بأغلب مدن الجنوب و سوس عن صد هجمات المستعمرين البرتغالي و الاسباني ، و معروف بأن الأسرة السعدية ذات الأصول الشريفة و قبل أن تتحول إلى كيان سياسي مؤسس ( دولة) ، كانت حاضرة بقوة بمختلف مناطق تافيلالت و درعة و الأطلس الكبير كقوة ذات تأثير ديني ، و هي التي سعت بكل الأشكال إلى نشر طريقتها الدينية عبر إحداث مدارس قرآنية عتيقة بمختلف مناطق نفوذها ، خصوصا بالزوايا التي كانت تواليها و التي عملت على بناء قصور و قصبات شامخة تأويها و تأوي مناصريها ، قصور صممت بطريقة هندسية جعلتها أشبه بالحصون المعدة لصد الهجمات المعادية ، و احتضنت فصولا دراسية أسست للمدارس القرآنية العتيقة و درست لأبناءها فيها مختلف علوم الشريعة و الحديث و فقه السنة ، و كانت تلك أولى أنوية المدارس (القرأنية بطبيعة الحال ) المؤسسة بالمنطقة .

بعد ذلك انتشرت الكتاتيب القرانية بمختلف المساجد التي تؤم صلاة الجمعة ، لكن تلك الكتاتيب لم تكن بمستوى المدارس العتيقة و الأصيلة التي أسست لها تجربة الزوايا ، بحكم أن أغلب تلك الزوايا كان تتلقى دعما من الدولة المركزية أو تستفيد من امتياز مبايعة العديد من القبائل لها ، و هو الشيء الذي كان يمكنها من تحصيل ضرائب و مكوس محلية ، و هو ما انعكس إيجابا على نوعية التعليم الديني الذي كانت تلقنه لأبناء مناصريها ، و الذي لم يكن مقتصرا على حفظ القرأن الكريم فقط بل شمل كافة أنواع العلوم الشرعية و الفقه و النحو و اللغة ، و هي أمور لم تكن تتوفر بالكتاتيب القرأنية الأخرى .

و بعد دخول الاستعمار الفرنسي للمغرب ، و بفعل السياسة التعليمية التي كان ينهجها المستعمر في مجال التعليم ، و لأن فرنسا لم تكن تسعى إلى تعميمه، بل كانت تقصره على نخبة معينة من أعوانها بمختلف أشكالهم ، لم تسع السلطات الاستعمارية إلى تأسيس مدارس حقيقية بعموم مناطق نفوذ التهامي الكلاوي إلا سنة 1942 ، تبعا لذلك لم يتم فتح أية مدرسة رسمية بالمنطقة إلا بحلول هذه السنة ، حيث تم إطلاق أولى الفصول الدراسية بسكورة بمركز المنطقة المسمى انذاك “القشلة ” تحت مسمى “مدرسة القشلة ” نسبة إلى المركز العسكري المستوطن انذاك بهذا المركز ، و هي المدرسة المعروفة اليوم ب”مدرسة سكورة “بعدما عرفت لسنوات ب”المدرسة المركزية ” ، علما بأن معظم المغاربة أنذاك كانوا يرفضون التعلم في مدارس المحتل، لذلك و كما قال د.محمد عابد الجابري:” فإن الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب المغربي قد بقيت طوال عهد الحماية بدون تعليم. وإذا كان هذا يرجع، بالدرجة الأولى، إلى تخطيط رجال الحماية، فهو يعود كذلك إلى مقاطعة الشعب المغربي للمدارس الني أنشأتها فرنسا بالمغرب” .

أما بفجر الاستقلال و بعدما كان التعليم بالمنطقة مقسما بين تعليم عصري ب”مدرسة القشلة “لفائدة قلة من أبناء الأعيان و عملاء المستعمر ، و تعليم ديني بالكتاتيب القرآنية داخل المساجد أو الزوايا لفائدة فئة قليلة من أبناء المزارعين الفقراء ، انطلقت شرارة ما يمكن تسميته “بالمدارس العصرية” الرسمية بمنطقة سكورة يوم 03 أكتوبر 1956 ، أي بعد حوالي سبعة أشهر على توقيع وثيقة الاستقلال ، و تم ذلك أول الأمر بواسطة رجال تخرجوا من بعض الزوايا(المدراس العتيقة) أو الكتاتيب القرءانية المحلية ، و جمعوا بين حفظ القرءان الكريم و بعض العلوم الشرعية و الكفاح من أجل الاستقلال كذلك ، و لم يكن الرعيل الأول الذي كلف بمهمة تدريس أبناء المنطقة و توسيع دائرة الممدرسين بها يتجاوز أول الأمر أربعة رجال ، كلفوا بمهمة التدريس و تحفيز الأطفال على التسجيل و متابعة الدراسة و توفير مقرات الدراسة في أن واحد ، تلك المقرات التي لم تكن سوى بيوت طينية مقتطعة من منازلهم الخاصة أو من الكتاتيب التي كانوا يدرسون بها من قبل ، و انطلقت الانوية الثلاثة الأولى للمدارس الرسمية بالمنطقة بفصول منفردة بكل من مشيخة أولاد يعكوب بمنزل ايت الدفيف بدوار مكرمان ، و بمشيخة امزاورو بمنزل ايت بوهدو (البوهدوي ) بجوار قصبة ايت الشعير ، وبمشيخة الوسط بقصبة ايت عبو بدوار القبابة بالخامسة ، تلتها بعد سنة واحدة مدرسة القشلة التي تحولت بدورها لمدرسة وطنية بعد تحريرها من المناهج و الاطر الاستعمارية ، و لم تتوسع تلك الانوية لباقي المشيخات إلا سنة 1960 حيث تمت إضافة أربع فصول جديدة ، قبل أن يتم بناء مدارس صغيرة من فصلين أو ثلاث أو أربع بنهاية الستينيات .

المثير للاهتمام أنه على الرغم من الحاجة الماسة للأطر القادرة على التدريس في زمن كان فيه من النادر إيجاد حتى من يتقن الكتابة و القراءة ، و هو الشيء الذي دفع بالدولة الفتية للقبول بفقهاء و أئمة لممارسة التدريس بالمدارس العصرية الناشئة ، فان القائمين على الشأن التعليمي انذاك لم يغفلوا جانب التكوين الديداكتيكي للمدرسين ، إذ بعد سنة واحدة فقط و بالضبط صيف سنة 1957 خضع كل أولئك الذين تم اختيارهم لممارسة التدريس لتكوين نظري و تطبيقي مكثف بمدرسة ابن يوسف (معهد للتعليم الاصيل بمراكش ) لمدة ثلاثة اشهر ، قصد تأهيلهم لممارسة المهنة بشكل مقبول ابتداءا من اكتوبر 1957 ، و هو التكوين الذي توج بحصولهم على شهادات تؤهلهم للاستمرار في مجال التدريس .

إذن فظهور “المدرسة العمومية ” بمنطقة سكورة بشكلها الرسمي – كما حال باقي مناطق المغرب القروية- ، كان مرتبطا بالسياق التاريخي و الاجتماعي و السياسي لفثرة فجر الاستقلال، و هي فثرة تميزت بالسعي الحثيث لمناضلي الحركة الوطنية و أعضاء جيش التحرير من أجل تحويل شعارات التعميــم؛ التوحيــد؛ التعريـب و المغربَـــة إلى واقع ملموس ، بتزامن مع حاجة الدولة الوطنية الناشئة الماسة للأطر المغربية الكافية لبناء أجهزتها الإدارية والأمنية والعسكرية و المرافق الحيوية و المؤسسات التمثيلية و كل ما له علاقة بالسيادة الوطنية، هذا في الوقت الذي تم فيه تحويل “مديرية التعليم ” في عهد أول حكومة بعد الاستقلال إلى وزارة للتربية الوطنية و الشبيبة والرياضة و الفنون الجميلة ، و التي عين على رأسها ” محمد الفاسي ” كأول وزير للتعليم بالمغرب بعد الاستقلال ، و ما صاحب ذلك من صراع داخل الحركة الوطنية بين أنصار التيار العصري الممثل ب”المهدي بن بركة” و التيار المحافظ الممثل ب”علال الفاسي” ، بخصوص التصور العام لتعميم التعليم و تكييفه مع المتطلبات الملحة للواقع الاجتماعي والاقتصادي لبناء التنمية و التقدم و تحرير الإدارة المغربية من ربقة السيطرة الاستعمارية ، خصوصا و أن مطلب تعميم التعليم كان يحتل مكانة مركزية و أولوية بين المطالب الملحة التي عبَّرَت عنها الحركة الوطنية المغربية بشكل عام ، و هو الشيء الذي حضر بقوة ضمن توصيات «اللجنة الملكية لإصلاح التعليم» في 25 غشت 1957 ، قبل أن تتبناه حكومة “عبد الله ابراهيم ” بشكل رسمي ببرنامجها الأولي سنة 1958 و بالمخطط الخماسي (1960-1964) مع الوزير الوصي على القطاع السيد “عبد الكريم ابن جلون التويمي”. و هي كلها طموحات تنم عن حس وطني حقيقي و تفكير استباقي لدى رواد الحركة الوطنية و منظريها الكبار ، ما لبتث أن اصطدمت بواقع مرير و صعب كانت نسبة الأمية فيه تفوق 90% .

اذن كانت هذه هي بداية المدرسة العمومية بمنطقة سكورة ، و سنتناول في الجزء الثاني ” نهايتها ” أي “واقعها الحالي و مشاكلها” بلغة المفكر ” إيفان إليتش” الذي تنبأ في كتابه “نهاية المدرسة ” بموت المدرسة العمومية ونهايتها ، بالنظر لحجم الاكراهات و التناقضات التي تواجهها في ظل النمط الاقتصادي الحالي .

 

 المراجع :

– إبراهيم حركات،المغرب عبر التاريخ،الجزء الثاني، دار الرشاد الحديثة،الدار البيضاء،2003 .

– أبو العباس بن خالد الناصري، كتاب الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى،الجزء الثالث، منشورات وزارة الثقافة و الاتصال،2001.

– عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، ج3،2007، ص153.

– روايات شفوية لقدماء هيئة التدريس بالمنطقة و بعض رموز المقاومة (ل-ر) (ب-ع) (ن-م.(

– وثائق إدارية (ملفات التوظيف – شهادات حية (….

 

 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق