بقلم أنثى

بقلم انثى: سَامِحْ.. امْنَحْ قلبكَ النّقاء

سَامِحْ.. امْنَحْ قلبكَ النّقاء

ورزازات أونلاين
مريم جوباي

تزوجا في سن صغير.. بدآ حياتهما من الصّفر.. رُزِقا بثلاث أولاد وبنت.. كانت حياتهما صعبة لكن القناعة كانت تملأ قلبيهما.. عَضدَا بعضهما في السّراء والضّراء ولم يذّخرا جهدا في سبيل رعاية أبنائهم وتربيتهم على الحب والرضي والتضحية والصبر.. مرت السنوات العجاف.. كبُر الأبناء..تزوجوا.. أسّسوا أسرهم وأصبح لكل واحد منهم همّه وعالمه الخاص..! فرقتهم المسافات لكنها لم تَنَل من علاقتهم.. فظلوا دوماً على اتصال و تواصل ، يسألون عن أحوال بعضهم البعض ولو عبر الهاتف.. ، وكانوا ذاتَ كل مناسبةِ عيدٍ أو عطلة.. يجمعون شمْلهم في بيت والدهم المتواضع.. يضحكون..يمرحون ..يقضون أجمل اللحظات مع بعضهم لينصرفوا بعدها إلى حال سبيلهم.. دارت السنين.. توفيت الأم بعد أن مرضت مرضا شديدا أودى بحياتها.. ليلحق بها شقيق روحها بعد مدة زمنية قصيرة تاركا وراءه الكثير من البنين والبنات من الأحفاد وأبناء الأحفاد ، على عهد أن يظلوا يدا واحدة موحّدة لا يفرقهم شيء عدا الموت..

توالت الأيام والشهور.. وبدأ الشيطان يوسوس للإخوة الأربع.. بدأت بينهم خلافات بسيطة لأسباب تافهة واهية .. لتتحول بعد ذلك إلى خصومات وقطيعة انتهت بتقسيم الخباء والقطعتين الأرضيتين اللتين تركهما الأب..

لا أدري كيف أصبحنا نرى أفراد أسَرِنا على عداوةٍ وقطيعة مع بعضهم البعض..؛ لا أحد يستصيغُ الآخر كأنه لم يكن يوما يَقْرَبُه، ونَتعايشُ مع الأمر كحدثٍ عابر يمُرّ دون أن يُحْدِث في القلب والروح شرخًا! ما الشيء الذي يجعلنا نَقْطع الرّحم ونفقد على حين غرّة تلك الروابط المتينة التي كانت تؤازرنا..! ما الذي يجعل الأخ ينشغل عن أخيه الذي خرج وإياه مِنْ ذات الرّحم.. ورضَعَا معًا من ذات الثّدي..! ما الذي يجعل الإنسان يكره أخاهُ من نفس دمه و جيناته، ويحقد عليه فتنمحي كل مشاعر المحبة والأخوة التي كانت تجمعهما يومًا فتغدوا كأنها لم تكن ؟ ! ما هو السبب الذي يجعل دم القرابة رخيصا إلى هذا الحد..؟! أهو انشغال مناّ بأعباء الحياة الاّ مُتناهية والجري وراء جمع المال..؟! أو وفاة الأبوين الّذَيْن هُمَا السّند وسبب لمّ الشّمل..؟!أم هي أسباب نفسية خفية وحدهُ الله يعلمُ مَكامنها ..؟!

أتساءلُ دومًا كيف للذاكرة أن تمحي أشخاصًا تَقَاسَمْنَا معهم أروع لحظات عُمْرِنا.. لتُسْقِطَهم عنوة في تسلل قدريِّ مُريب.. كيف لها أن تنسى تلك الضحكات التي كانت بمِلْأ الكون..، تلك الدموع التي ذَرفنها ذات كل وداع..، تلك الوعود بأن نظل سويًا مُتمسّكين ببعضنا البعض حدَّ الإنصهار، كيف لها أن تشتاق لكل تلك التفاصيل ولا يَسقطُ القلب على عجَلْ..

حَبْلُ الحياة قصير جدا.. والعمر يجري بِلاَ هوادة.. يتسرّبُ بين أيدينا كحبّات الرّمل..، كلما تفكّرتُ الأشخاص الذين وارى أجسادهم الثّرى.. أضحكُ مِلأَ شدقيْ على تفاهتنا وبلادتنا، جحودنا وعنادنا ! نركن للدنيا ونأتمن لها، نغرقُ في ملذّاتها من الرأس حتى أخمص القدمين.. نضيع في خطوطها ممارسِين بلاهتنا ..، ملحدين بساديتنا و فرعنتنا ..معتقدين أننا سنخلدُ فيها، متناسين أننا فيهَا مجردَ عابِري سبيل.. !! سنن الحياة تُصِرُّ دوماً أن تعطينا دروسا في كل يوم.. وأهم درس يَلْزَمُنَا فهمه جيدا، هو أن الحياة الدنيا إلى زوال.. والإنسان مهما طغى وتجبّر وتكبّرْ فهو أضعف من جناح بعوضة..! لا يملك غير محبة أهله؛ ترحمُ ضُعفه.. تُضمّدُ جراحَه وتُشْحنه بالقوة..! لطالما كانت العائلة الهويةَ والإنتماء.. وسندَ الظَّهر الذي نلوذ إليه في المحن..، فهي التي تُدفّئ برد أرواحنا ، تَحتوينا بضُعفِنا، و بها نتوسّلُ رحمةَ الرّحيم القدّوس ..! ونحن الآن في رمضاان.. شهر العفوِ والرحمة والغفران.. لندثرنَا بالعفو والسّماح..ونمنح قلوبنا النقاء الذي انتزعه كدر الحياة..! لنسامح حتى تنحل كل ذرّات البغض والكره ويحُل محلّها نور يضيء كل الظّلمات..لنسمعَ صوت قلوبنا.. لأنه حتما سيدُلّنا على الجماال الكامن فينا..
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock