مقالات رأي

إفلاس الأطروحات السياسية بالمغرب – الديموقراطيون الاجتماعيون – كخيار ثالث

 
إفلاس الأطروحات السياسية بالمغرب – الديموقراطيون الاجتماعيون – كخيار ثالث

 

 

ورزازات أونلاين
رشيد سليمان
 
تعاقب على حكومات المغرب منذ الاستقلال نهجان سياسيان أولهما نهج ليبيرالي تبعي و غير مبدع و ثانيهما اشتراكي – ديموقراطي ملتبس ، و الحصيلة اليوم يدركها السياسي و الاقتصادي و المثقف و غيرهم جميعا بلا مراء أو مزايدة ، و هي حصيلة كارثية بكل المقاييس، فاليوم و بدون شك يسير الاقتصاد المغربي كغيره من الاقتصاديات المرتمية في أحضان المؤسسات المالية الدولية بخطى حثيثة نحو الإفلاس ، و هو الإفلاس الذي بدت بوادره الاجتماعية الكارثية في الظهور بجلاء مع الحكومة الحالية في مستويات الصحة و التعليم و السكن و التشغيل و الادخار و غيره ، ففي الوقت الذي تفاقمت فيه نسب البطالة بكل ألوانها ، تظهر الإحصائيات الرسمية بأن معدل البطالة في المغرب ارتفع إلى 10.1% في الربع الثالث من العام 2015 بدل 9.6% في الربع الثاني ، بينما تشير أرقام المندوبية السامية للتخطيط إلى إن عدد “العاطلين ارتفع بواقع 66 ألف شخص، في حين بلغ حجم البطالة 1.206.000 شخص على المستوى الوطني بزيادة قدرها 5.8% مقارنة مع الربع الثالث من 2014 ، و أن الاقتصاد المغربي تمكن من إحداث 41 ألف منصب شغل فقط بتراجع بلغ 17 ألف منصب مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، مشيرة إلى أن الوظائف الجديدة تظل أقل من الطلب الإضافي على مناصب الشغل المقدر بنحو 107.000 منصب على الصعيد الوطني ، و تعجز الحكومة اليوم حتى عن توظيف الحد الأدنى اللازم لاستمرارية الإدارة و الخدمات العمومية في مستواها الحالي ، فيما تتفاقم مشكلات جيوش الاحتياط في صفوف الإجراء جراء فقدانهم لمناصبهم و تنتعش الهشاشة بسوق العمل ، و يسير التعليم بنوعيه (العمومي و الخاص ) بسرعة نحو السكتة القلبية ، خصوصا بعد الإجراءات الحكومية البليدة التي تروم خوصصته بطريقة فضة و مقيتة ، و ما أزمة المرسومين المشؤومين و مشكلة لغة التدريس و غيرها إلا تمظهرات لذلك ، أما قطاع الصحة فالمشكلة أعمق و لم يعد بإمكان أسطورة “راميد ” تضليل معظم المغاربة الذين فقدوا بالكامل ثقتهم في هذا المجال الحيوي، كنتيجة لهزالة الميزانية المالية المرصودة له وقلة الموارد البشرية العاملة به ، و قد شهد وزير الصحة بنفسه على عمق الأزمة حين قدم تقريرا غير وردي تحت قبة البرلمان، تضمن إحصائيات مقلقة تهم وضعية القطاع والتوزيع الجغرافي للخدمات الطبية في المجالين الحضري والقروي، وعدد الأطر والعاملين في المجال.
 
وذكرت الأرقام الرسمية أن عدد المستشفيات لسنة 2013 بلغ حوالي 141 مستشفى، والطاقة الاستيعابية للمستشفيات العمومية تصل إلى 27 ألف و 326 سريرا فقط ، كما سجل سوء التوزيع الجغرافي للمؤسسات الصحية، حيث تم تسجيل تمركز المنشآت العلاجية بشكل مكثف في التجمعات السكانية الحضرية الكبيرة، إذ توجد 52% من المصحات الخاصة في المدن الكبرى، كما أن أقل من سرير واحد، تحديدا 0.9 سرير، يُخصص لألف نسمة، مقارنة مع ما يوجد في تونس التي توفر 2.2 سرير لألف نسمة، و7 أسرة لكل ألف مريض في العديد من الدول المتقدمة ، إضافة إلى ذلك هناك عجز مهول في الموارد البشرية، باعتبار أن طبيبا واحدا يغطي حوالي 1630 مواطنا، وممرضا لكل 1109 أشخاص في القطاع العام، كما أن 45% من الأطر الطبية تتركز في جهتي الرباط والدار البيضاء فقط، وما يزيد عن ربع سكان القرى يبتعدون على الأقل بعشرة كيلومترات عن أول مركز صحي.

 

قطاعات أخرى أهم كالسياحة و النسيج و الصناعات الخفيفة لم تسلم من هول الكارثة، إضافة إلى تراجع تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج وانخفاض عائدات الفوسفاط و المنتوجات الفلاحية، وبالتالي تراجع احتياطيات الخزينة من العملة الصعبة، في الوقت ذاته ارتفع حجم المديونية الخارجية للمغرب ليصبح حسب تقرير البنك الدولي للإنشاء والتعمير والمؤسسة الدولية للتنمية من ضمن أكثر عشرة دول اقتراضا في العالم سنة 2014، و يصبح بذلك الدولة الأكثر مديونية في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط محتلا المرتبة السَّابعة من بين عشر دول الأكثر اقْتِراضا من البنك الدولي، بمديونية تبلغ قيمتها 1096 مليون دولار (أزيد من مليار دولار) السنة الحالية، و هذا مؤشر خطير لا يعبر عن صدقية الاقتصاد المغربي كما يحاول عرابو الحكومة البلداء تسويقه ، و إنما تفريط بمستقبل البلاد و رهنه لأجيال أخرى .
 
أما قطاع السكن و في تقرير أصدرته شركة “جونز لانج لاسال” الشركة العالمية الرائدة في قطاع العقار فان المغرب عانى خلال السنوات الأخيرة و سيعاني من أزمة سكن خانقة ، بحيث سيقفز الطلب إلى أعلى مستوياته في حين سينزل العرض إلى أدنى المستويات بسبب استغلال جل الأراضي الصالحة للبناء وارتفاع أثمان العقارات إلى أرقام قياسية و غير مقبولة بالنظر لمستوى الدخل الفردي بالبلاد ، نفس التقرير سجل النقص الملحوظ الذي يعرف المغرب حاليا في السكن الاجتماعي المنخفض التكلفة، وأكد أنه المتوقع أن يتزايد هذا النقص في ظل ضعف الاستجابة لتوفير الحاجيات الكافية من السكن المنخفض التكلفة لمواجهة هذه المعضلة الاجتماعية التي تواجه المغرب إلى جانب دول أخرى من شمال افريقيا ، وبرر التقرير المذكور هذه الأزمة المنتظرة بزيادة الطلب على السكن وارتفاع قيمة الأراضي، بالإضافة إلى ارتفاع التكاليف المالية اللازمة لتطوير البنية التحتية ذات الصلة مثل الكهرباء والصرف الصحي ، كما يعاني المغرب وفق التقرير المذكور من عائق الوصول للتمويل المناسب للعائلات منخفضة الدخل.

 

هاته المؤشرات و أخرى كثيرة اقتصاديا و اجتماعيا و باعتراف حتى من بعض المؤسسات ذات الحد الأدنى من المصداقية ، تؤشر على تحول خطير في منحى الاقتصاد المغربي ، قد يعيد شبح الانفجار الاجتماعي في أي وقت خصوصا و أن الطبقات الوسطى للمجتمع المغربي لم تعد تحتمل بلترتها الذهنية و اليدوية (بلغة ارنست ماندل ) و انحطاطها نحو قاع المجتمع ، و هي التي طالما شكلت الملاذ الأمن لذويي السياسات المتوحشة من غضب الجماهير ، أما اليوم و بفعل تأكلها من الداخل و الخارج نتيجة السياسات الليبرالية الفضة للحكومة ، المتوجسة دائما من أن تطال سياستها مصالح كبار البرجوازيين و ثرواتهم ، و غير المترددة في إفقار الطبقات الوسطى لصالح بعض أعمال الإحسان و الصدقات على الطبقات المسحوقة نظير مساعدة الأرامل و المعاقين و المطلقات و تيسير و راميد .. ، و التي تستبطن فهما ماضويا مغلوطا يروم محاربة الفقر بالصدقات فقط ، و تعتقد به الحكومة بأنها ستتمكن من نزع فتيل نزوع الشباب المهمش نحو الإرهاب و تبني الأفكار المتطرفة ، فمتى كان الفقر يحارب بأعمال الإحسان ؟ و متى كانت الصدقات طريقة ناجعة لمواجهة الإرهاب و التطرف ؟ ما أحوج اليوم هاته الحكومة لجوهر المثل الصيني الذي يقول علمني كيف أصطاد و لا تعطني سمكة ، فالعبرة في خلق المشاريع الضخمة المنتجة للثروة و الشغل و القادرة على امتصاص البطالة و تنمية الدورة الاقتصادية و تحرير الطاقات الشابة لجعلها تنتج أكثر مما تستهلك ، لا في معاملة الفقراء بمنطق الإحسان و كأنهم عالة على المجتمع أو مجموعة من العاجزين و المعوقين ، لماذا لا توزع الحكومة الثروات المغربية – أو على الأقل بعضها – على الفئات القادرة على الإنتاج ؟
 
لماذا تظل – مثلا – ملايين الهكتارات من الأراضي غير مستغلة في الوقت الذي يحتاج فيه معطلو المغرب و فقرائه و فلاحيه للقليل فقط منها ليصنعوا مستقبلا زاهرا لهم و لوطنهم ككل ؟ و لماذا لا توفر لهم الدولة الإطار المناسب للمنافسة الاقتصادية الشريفة التي تمكنهم من ولوج السوق و التطور ؟ لماذا لا تحميهم إن هم قرروا ولوج السوق من لوبيات الاحتكار و الريع ؟ لماذا لا تمتلك الحكومة الحالية الجرأة لفرض الضريبة على كبار المنتجين الفلاحيين ؟ لماذا تصنع للشركات العابرة للقارات جنات ضريبية في الوقت الذي تزيد فيه نسبة الضرائب على صغار الشركات ؟ و لم تتعجل ضرب مكتسبات الأجراء و الموظفين في التقاعد و الترسيم و الأجور في الوقت الذي تدافع فيه عن بقاء معاشات البرلمانيين و الوزراء و كبار موظفيها ؟ و لم تعجلت الهجوم على صندوق المقاصة و لم تتجرأ على فرض ضريبة على الثروة ؟ كلها أسئلة معلقة و هي لا تستوجب جوابا لغويا بل جوابا سياسيا للمرحلة ، جوابا شافيا و كافيا غير مشروط بمرجعية ايديولوجية جاهزة صنعت في دول أخرى لواقع اجتماعي و تاريخي مغاير تماما لما هو عليه الوضع بالمغرب اليوم ، فما أحوجنا اليوم إلى بديل سياسي ينطلق من البنية المغربية كحالة فريدة و كخصوصية تعجز كل الأجوبة الجاهزة عن تدبرها بدقة و موضوعية ، و الحال أن لنا في الخيار الديموقراطي-الاجتماعي ملاذا يمكن الاقتداء به، من أجل بلورة خيار سياسي ينهل من المنهج الاجتماعي للدفاع عن احتكار الدولة للقطاعات الاجتماعية و الخدمات العمومية و ينهل من المنهج الليبرالي الديموقراطية كآلية لتشارك الحكم بين الجميع و التمثيل النيابي لعموم الجماهير.

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock