مقالات رأي

وجهة نظر … في إصلاح المرفق الإداري للجماعات الترابية

 
 
وجهة نظر … في إصلاح المرفق الإداري للجماعات الترابية

ورزازات أونلاين
انجاز : سليمان رشيد

مناسبة تجديد المجالس المسيرة لمختلف الجماعات الترابية عقب اقتراع 04 شتنبر 2015 ، هي مناسبة للفت انتباه المسؤولين و الرأي العام للمشاكل البنيوية التي يتخبط فيها المرفق الإداري للجماعات الترابية ، و التي تحول دون جعله في مستوى تطلعات المواطنين و المرتفقين ، فالمرفق الإداري لمجمل الجماعات الترابية -القروية بالخصوص – بإقليم ورزازات مثلا ، لازال يفتقد لتصور عام يروم وضعه في إطار الأولويات التنموية لعمل المنتخبين ، بطريقة تمكن من تحقيق الفعالية و الجودة و السرعة للخدمات التي يقدمها ، و هي معادلة “حقيقة “صعبة لكونها تستوجب الجمع بين تجويد الخدمات الإدارية المقدمة للمواطن دون المساس بحقوق الموظفين و الأعوان و دون إرهاق الميزانيات الهزيلة المخصصة لتلك الجماعات ، و هي إن تمت فستمكن لا محالة المنتخبين الجدد من فسح زمنية أساسية للتفرغ للهم الأساسي المتمثل في بحث سبل بناء التنمية الاقتصادية و الاجتماعية لجماعاتهم .

 

أولا ، معالجة الاختلالات البنيوية بالإدارة :

ثمة اختلالات عميقة تشوب المرفق الإداري للجماعات الترابية عامة، أهمها على الإطلاق التركيز على المصالح ذات الاستقطاب المكثف للمرتفقين كالحالة المدنية و الشواهد الإدارية و تصحيح الإمضاء ، و إهمال المصالح الحيوية للتنمية المحلية كالأقسام التقنية و جلب الاستثمار و الشكايات بشكل يبعث على الاستغراب ، كما يدفع التوجه ألإقصائي لبعض المنتخبين الجماعيين إلى نهج سياسة تجميع المصالح المهمة بالإدارة الجماعية في مكاتب وحيدة و أحيانا لدى موظف بعينه، رغبة منهم في قطع الطريق على من لا يدين لهم بالولاء في أي مسؤولية داخل الإدارة ، فان كان المشرع قد قسم مستويات العمل الإداري إلى مستويات : التأطير و الإشراف و التنفيذ ، فان الجماعات الترابية غالبا ما تخلط بين هاته المستويات ، لدرجة التناقض و عكس الآية أي جعل المكلفين قانونيا بمهام التأطير يمارسون مهام التنفيذ و العكس بالعكس ، كما أنه لا يخفى على احد ما للفصل بين مرحلتي الانجاز و التسليم من أهمية خصوصا في جانب قطع الطريق على مسلكيات الارتشاء و التسلط البيروقراطي داخل الإدارة ، بالإضافة إلى ذلك و جب التنبيه لخطورة تنامي ظاهرة السمسرة و الوساطة التي يقوم بها بعض السماسرة داخل أروقة الإدارة لفائدة أصدقائهم و أبناء عشيرتهم من اجل إعفائهم من واجب التنبر و تسريع وثيرة تسلمهم لها أو حتى تمكينهم منها دون وجه حق ، إذن فالاختلالات البينة و الواجب إنهاؤها هي :

 

· محاربة تركز المصالح و الخدمات بيد موظف واحد أو بقسم واحد .

· محاربة ظاهرة السمسرة و الوساطة التي يقوم بها السماسرة داخل أروقة الإدارة على مرأى من الجميع .

· محاربة الحظوة التي تجعل من بعض الموظفين أشخاصا فوق القانون و لا يمارسون أي مهام فعلية.

· محاربة التسيب و الهـدر الإداري و الموظفين الأشباح .

 

و هي أمور لا يمكن النجاح في تحقيقها إلا بسن سياسة مسؤولة مبنية على القانون و الوضوح و الغايات النبيلة و إرفاقها بهيكلة تنظيمية  Organigramme مضبوطة و معقولة .

 

ثانيا ، إحداث و تفعيل الهياكل التنظيمية :

 تعاني أغلب الجماعات الترابية القروية من غياب أي هيكل تنظيمي مسؤول داخلها ، و هو ما يغذي النزوعات البيروقراطية و منطق التسلط لدى بعض المنتخبين ، فباستثناء مؤسسة الكاتب العام (المدير العام لاحقا ) لا يمكن الحديث عن أية هيكلة تنظيمية مسؤولة داخل هاته الجماعات ، و حتى هذه المؤسسة تعاني بدورها من

 

التهميش المطلق و يتم حشرها في الزاوية و اختصار دورها في الأمور التقنية البسيطة لا غير ، غير أنه و من أجل إعمال قاعدة إتباع المسؤولية بالمحاسبة و من باب حصر المسؤوليات و تنظيمها، وجب إحداث و تفعيل الهيكلة التنظيمية التراتبية لكل مرفق إداري جماعي Organigramme كيفما كانت الجماعة التي ينتمي إليها و مهما كان عدد موظفيها و أعوانها ، بطريقة تسند بمقتضاها مسؤولية تسيير الأقسام و المصالح و المكاتب لمن تتوفر فيهم شروط التجربة و الكفاءة و الملائمة القانونية ، و يتم بموجبها إعادة تعريف المصالح و المكاتب و الأقسام الجماعية و تسمية المسؤولين عنها و العاملين بها ، وفق رؤية تسهل عمليات التتبع و المراقبة و تقييم نقاط ضعف و قوة كل قسم و كل موظف، و هي عملية يجب أن تكون مقرونة بمسطرة تفويض التوقيعات للموظفين الأكفاء المتوفرين على الشروط القانونية و النظامية لذلك ، من اجل تحقيق السرعة في تسليم الوثائق للمواطنين و ضمان قطع الطريق على الظواهر المشينة التي تشوب العمل الإداري الفوضوي كالرشوة و التزوير و التسيب و غيره .

 

ثالثا ، إحداث خلية التشاور الإداري :

 استتباعا للهيكلة التنظيمية التراتبية وجب التفكير في تشكيل مايسمى ب” خلية التشاور الإداري ” و التي نقترح تشكيلها من الرئيس المنتخب و المدير العام (الكاتب العام سابقا ) و مسؤولي المصالح و الأقسام أو رؤساؤها و ممثلي الموظفين بحظيرة اللجان الثنائية، و التي وجب أن تعقد اجتماعاتها بشكل دوري و كلما دعت الضرورة لذلك ، بدعوة من رئيسها (رئيس المجلس ) أو المدير العام لمناقشة الوضع الإداري بالجماعات و مستجداته ، و أثناء مداولاتها يتوجب على رؤساء و مسؤولي الأقسام و المصالح أن يقدموا تقارير مفصلة حول سير المصالح التي يشرفون عليها و ما تعرفه من تطور أو تقهقر ، مع الإشارة لمجمل المشاكل العالقة و بحث تظلمات المواطنين و اقتراح الحلول والبدائل و المقترحات التي تمضي في اتجاه تطوير الأداء الإداري و تحسينه و تجويد خدماته .

 

رابعا ، ملائمة الكفاءات مع المهام الإدارية :

 تعد ملائمة الكفاءات (الموارد البشرية ) مع المهام (المصالح ) من داخل مرفق الجماعات الإداري أولوية كبرى لأي مشروع إصلاح إداري و سببا رئيسيا لنجاحه ، بحيث لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستمر إسناد المهام الإدارية أو التقنية وفقا للولاءات و الزبونية و الحسابات الانتخابية الضيقة المرتكزة على أسس سياسية أو عرقية أو عائلية ، لذلك وجب من باب الأولويات القيام بعمليات داخلية واسعة لإعادة توزيع الموظفين و الأعوان و تكليفهم بناء على أسس جديدة تحترم الدلائل المرجعية للوظائف و المهام داخل الجماعات الترابية و كذا المعارف و الخبرات المتراكمة لديهم.

 

خامسا ، تأهيل الموارد البشرية :

 من اللازم جدا لأية مؤسسة إدارية ترغب في تحقيق رهان الجودة و الفعالية ، أن تعمد لتأهيل مواردها البشرية سواء منها الأطر التقنية أو الأطر الإدارية ، و ذلك عبر تنظيم دورات تكوينية مستمرة لفائدتهم ، لأنه و بالمنطق البديهي لا يعقل تنفيذ الإصلاح بأطر شبه أمية لا تفقه بالإدارة سوى تكرار سيناريو من سبقوها في تلقي الملفات و ملء البيانات و تسليم الشواهد و حفظ الأرشيف ، بطريقة مكررة و مملة ، و دون أدنى جهد لفهم أصول المساطر الإدارية و الغايات المرجوة منها ، ناهيك عن تجدد العديد من القوانين و النصوص المرجعية المؤطرة لها، دون نسيان ما فعلته الثورة التكنولوجية بالبنيات الإدارية من خلخلة واضحة ، أصبحت معها بعض النصوص القانونية رغم عدم تجديدها متجاوزة عمليا ، ناهيك عن التوجهات الكبرى للدولة في مجال الحكومة الالكترونية و التي فرضت على الجميع تعلم و تعليم مختلف تقنيات استخدام الحاسوب و الانترنت ، من اجل توظيفها بالعمل الإداري .

 

سادسا، توفير شروط العمل :

 إن توفير شروط العمل للموظفين و الأعوان داخل المقرات الإدارية و خارجها ضروري جدا لهدف الإصلاح ، فهل يعقل محاسبة مسؤول ما أو موظف ما عن تقصير في أداء الواجب دون تمكينه من آليات أداء هذا الواجب ؟ و شروط هذا الواجب كما يعلم الجميع من داخل أغلب الجماعات القروية تكاد تنعدم بدءا بالبنايات المهترئة و القاعات الضيقة و المتسخة و الأبواب و النوافذ المكسرة و غياب التهوية و التكييف ، و انعدام فضاءات الانتظار بالنسبة للمواطنين ، و شح الأدوات المكتبية و المعلوماتية و غيره كثير ، لذلك كله وجب التأكيد على حتمية توفير مقرات إدارية مناسبة تليق بالخدمات التي تقدمها و تلائم عدد المرتفقين الذين يرتادونها ، كما وجب توفير مجمل المعدات و الأدوات و التجهيزات الإدارية و اليدوية و المعلوماتية اللازمة لتسيير العمل الإداري بشكل عادي، دون إغفال توفير الحماية للموظفين و المرتفقين بإدارة الجماعة من تهجمات الحمقى و المتسكعين و مدمني المخدرات و الكحول عبر استقطاب بعض عناصر القوات المساعدة لممارسة الحراسة و التوجيه بمداخل الجماعات طيلة أوقات العمل .

 

سابعا ، إجراءات موازية :

 تماشيا مع روح تقوية الحكامة و الشفافية في العمل الإداري و مواكبة للنمو الديموغرافي بأغلب الجماعات الترابية و ارتفاع الطلب على الوثائق الإدارية ذات الاستعمال المكثف فان جملة من الإجراءات الإدارية الموازية باتت تفرض نفسها اليوم بشكل ملحاح ، أهمها مضاعفة عدد موظفي بعض المكاتب و المصالح تفاديا لتركز الخدمة في يد واحدة و ما يمكن أن ينتج عنها من بيروقراطية و رشوة و غيره ، و ضمانا لعدم توقف خدمة هاته المرافق أثناء غياب موظفيها الأساسيين بسبب الرخص السنوية أو المرض أو الإحالة على التقاعد أو الانتقال أو أية قوة قاهرة أخرى ، و تقسيم المصالح الإدارية الرئيسية كالحالة المدنية و الشواهد الإدارية و تصحيح الإمضاء إلى عدة مكاتب متخصصة ، و المصالح التقنية إلى عدة فروع كالتعمير و الاوراش و الآليات و التموين و البيئة و النظافة و غيره .

 

وجبت الإشارة بأن اغلب الجماعات القروية لا تتوفر على مكاتب دائمة للضبط و لا للإرشادات و لا على مكاتب للعمل الاجتماعي و العلاقة مع الجمعيات خصوصا تلك المعنية بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية و لا على آلية فعالة لمراقبة و تتبع استعمال الآليات و التموين ، و هذا شيء يعمل على كبح حكامة الجماعات الترابية و يقوي الفساد داخل دواليبها .

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock