مقالات رأي

التوجيه التربوي … القرار بعد المداولة

 
 
التوجيه التربوي … القرار بعد المداولة

 
ورزازات أونلاين
بشكين عزيز

إن المدرسة ليست فقط مؤسسة تربوية بالمعنى الضيق وإنما هي أولا وقبل كل شيء مؤسسة اجتماعية تدخل في علاقات متشابكة مع الوسط الذي تتواجد فيه وتتبادل معه التأثير والتأثر.

من هنا فالمدرسة مجال أشمل لتداخل العلاقات والتقاء النماذج وتتواجهها وصراعها، إنه مجال تتقاطعه تغيرات عدة : تربوية ، سوسيولوجية ، لغوية – ثقافية ، اقتصادية، سياسية وايديولوجية ، وهكذا سعت المدرسة منذ ظهورها إلى إنتاج وإعادة إنتاج نفس العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع الذي تتواجد فيه وبالتالي لم تكن معزولة عن محيطها بل كانت فاعلة ومتفاعلة معه.

فإذا كان التعليم بمفهومه التقليدي لا يولي اهتماما للتلميذ كعنصر فاعل ومؤثر في العملية التعليمية/التعلمية برمتها ، حيث يقوم على أساس تلقين التلاميذ ركاما من المعارف والمعلومات بالتركيز على مادة هذه المعارف في حد ذاتها، فإن التعليم بمفهومه المعاصر انتبه إلى ضرورة أخذ كل مكونات العملية التربوية بعين الاعتبار.

وقد أكد “فروبل 1782-1852” على أن التربية يجب أن تهدف إلى تنمية مواهب الفرد.

ونظرا لما عرفه عصر الالة من تطور صناعي ونمو اقتصادي ، برزت قضية التوجيه المهني باعتبارها إحدى العناصر الاساسية في الاقتصاد ، ولقد كان الهم الرئيسي من ذلك هو وضع الانسان المناسب في المكان المناسب ، أي في المكان الذي يكون فيه أكثر فعالية في بلوغ الهدف المنشود.

وتتزامن عملية التوجيه من مؤسسات التعليم الإبتدائي نحو التعليم الثانوي مع ظهور بوادر الاكتمال البيولوجي والعقلي للتلاميذ وتتميز هذه المرحلة بقابلية هائلة نحو امتصاص القيم الأخلاقية والعادات الاجتماعية، كما تظهر أيضا بوادر المواهب الفنية والقدرات العقلية الأخرى وإمكانيات استخدام أساليب المنطق في المعاملات والتصرفات، وفي هذا السن تبدأ مرحلة المراهقة العسيرة.

فوسط كل هذا المخاض يقف المربي وقفة تأمل واستبصار ثم تقدير وحساب قبل أن يضع قطار رحلة حياة التلميذ على سكته ويوجهه نحو المستقبل وطريقه محفوفة بمخاطر الانزلاق والتعثر أو التيه والانحراف. وبين عبور بوابة هذه المحطة وترقب مرحلة الوصول، يبقى التساؤل مطروحا عما هي الاثار والبصمات التي تبقى موشومة في شخصية التلميذ نتيجة التوجيه؟

من الضروري جدا أن نعيش سيرورة اتخاذ القرار حتى نفهم مداه. فالأثار التي يجنيها التلميذ على المستوى الوجداني والشعوري من وراء التوجيه التربوي الذي اختاره عن قناعة واقتناع هي شعوره بالرضى والارتياح وتحقيق مردودية حسنة أثناء التمدرس، ولاريب أن ذلك الشعور سيلازمه حتى بعد مزاولته لعمله، وذلك نتيجة توافق مؤهلاته ومكوناته النفسية.

وهكذا فإن كل عمل يبعث الارتياح في نفس فاعله يكون له حافزا للمزيد منه وباعثا عن المثابرة والاجتهاد، وبالتالي تحقيق أحسن وأفضل النتائج. والنجاح يعزز الثقة بالنفس ويزيد من القدرة على تحمل المسؤولية والحزم في اتخاذ القرارات.

وفي المقابل فإن عدم ملاءمة الاتجاهات الفكرية والمؤهلات النفسية للتلميذ مع الدراسة التي وجه إليها برغبة منه أو بسبب من الأسباب أو بدوافع أخرى تعتبر حاجزا يحول دون تحقيق التقدم والنجاح المرغوب فيهما مما يؤدي في كثير من الحالات إلى الهروب من المدرسة أو ظهور انعكاسات جانبية خطيرة في السلوك وربما إلى الانحراف. وحتى إذا نجح المتعلم في تخطي الصعوبات المدرسية الناتجة عن عدم ملاءمة المسار الدراسي مع رغباته وميولاته فإنه يشعر بالندم والحسرة لما آل إليه من نقص في المردودية وما يتبع ذلك من شعور بالضيق وعدم الرضى. وهذه الانعكاسات السلبية ربما رافقته حتى عند اندماجه في الحياة العملية وامتهان عمل غير مرغوب فيه.

ومن أهم الآثار التي تطبع شخصية الإنسان على المستوى الوجداني هي الشعور بالضيق والملل اللذين يؤديان بمن يمتهنون عملا لا يرغبون فيه إلى خلق أعذار واهية للتملص منه بين الحين والآخر مما يؤدي بهم إلى الاحساس بالدونية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية ويقعون في جميع مفارقات التحايل اللاشعوري من جراء قبول التعايش باستمرار مع المتناقضات منذ البداية أي منذ أن فشلوا في بلورة قرار التوجيه الذي يلائم قدراتهم وميولاتهم وطموحاتهم المستقبلية.

إن المدرسة اليوم في ظل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح وجب عليها أن تأخذ بعين الاعتبار مراحل الاختيار الدراسي والتكويني والمهني والتربية على المبادئ والقيم وروح التسامح مع إدماجها في المناهج والبرامج الدراسية مما سيشعر المتعلمين لا محالة برغبة كبيرة في استعمال طاقاتهم وتطوير مهاراتهم.

بشكين عزيز – مستشار في التوجيه ورزازات
 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
istanbul eskort - adana eskort - eskort adana - eskort - escort

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock