مقالات رأي

قصة : “الفصة”

 
قصة : “الفصة”

ورزازات أونلاين
مصطفى بوهو

 

كان اليوم يوم جمعة : عيدا ليس ككل الأعياد، إذ تمكنت السجينات من الخروج من فضاءات السجن المعتمة والمقلقة على الدوام، إلى الفضاء الخارجي الفسيح، حيث زرن معرضا أقيم لفائدة ساكنة المدينة: ورزازات، وتحت إشراف من موظفات بالسجن المدني، بمعية أطر جمعوية، وفعاليات تربوية (نساء ورجالا)…

وفي شمس زوال ذاك اليوم، لعبت السجينات كطفلات قاصرات، وركبن كل الألعاب التي كانت بالمعرض، وضحكن.. وبكين..، ورفهن عن أنفسهن أيما ترفيه، وإن كان في قلوبهن غصة فقدان الحرية.. وشيء من حتى..

تبرع عليهن السيد مدير السجن ب:”بيجامات”(قمصان نسائية) من نفس النوع، وبألوان متنوعة، وأحجام مختلفة اختلاف قد وقديد كل سجينة على حدة، من اختيار السيدة حارسة السجن المشرفة، ورغم ذلك.. فقد فرحن حد البكاء الممض، وتمنين لو كن حرات على الدوام، كباقي زائري المعرض…

فوزية: إحدى السجينات، جميلة بلونها الوردي، وجذابة تسر الناظرين، خافت من الكاميرا، وأخفت وجهها وراء فاعلة جمعوية، أعجبتها أيما إعجاب، وأفضت إليها بحكايتها، وتبين أن سبب خوفها من الكاميرا إنما هو: على خلفية أن لا يراها أهلها عبر شاشة التلفاز، وبكت بحرقة شديدة، إذ أن أهلها بمكناس لا يعرفون سبب مغادرتها المنزل؟ ولا الوجهة التي اتجهتها؟ ولا أي شيء عن مصيرها؟

فقد اتفقت مع صديقتها المراهقة، مثلها تماما، للذهاب إلى المدينة الحمراء: مراكش، من أجل الاستمتاع والترفيه، وغادرت منزل أهلها بلباس شتوي.. مشتا في شوارع وأزقة المدينة.. وجامع الفنا.. وجيليز.. منذ وصولهما زوالا حتى المساء.. تعبن وجعن، اقترب منهما شابان امتطيا سيارة “فولكفاكن- كولف”، وأشارا عليهما بالركوب، فلم يترددا، حيث ركبا السيارة، ولم يجدا حرجا في أنفسهن من قضاء ليلة بيضاء تقريبا معهما، بإحدى المنازل في الداوديات، وقضوا جميعا وطرهم… ثم ناموا مثنى مثنى؛

في الصباح وجدت صاحبتها قد غادرت المنزل… فيما فوجئت هي بمداهمة الشرطة له، واعتقالها بتهمة الفساد… وحوكمت بابتدائية مراكش بست (6) أشهر نافذة.. قضت جزءا منها ب”بولمهارز”، ثم رحلت إلى السجن المدني بورزازات؛

وكلما جادت عليها السجانة بأي اتصال هاتفي، اتصلت بأهلها… سألوها عن مكان وجودها؟ فلا تجيب غير أنها تعمل في السينما ب”هوليود” شمال أفريقيا: ورزازات، وكانت ترفض على الدوام أي زيارة من قبل أهلها لها في هذه المدينة، تحت ذريعة أنها لا تسكن إلا في غرفة مع صديقة مفترضة لها.. لا تسع لغيرهما، وتجيبهم بأنها في القريب العاجل ستعود إلى مكناس…

ليس بحوزتها من اللباس غير اللباس الشتوي الذي غادرت به مدينتها، وستعود إليها بعد قضاء محكوميتها صيفا، وحينما سألتها الفاعلة الجمعوية عن الجلباب الجميل نسبيا، والذي ترتديه وهي في المعرض؟ أجابتها: أنه مستعار من سجينة أخرى ليس إلا…

خرجت السجينات من المعرض بعد تناولهن وجبة الغذاء به عصرا: “كسكس” ككل المغاربة في أيام الجمع، لجولة عبر دواوير: ورزازات وترميكت…

عبر نافذة الحافلة التي كانت تقل السجينات والفريق المرافق، تأملت عائشة طويلا في بساتين مخضرة ب”الفصة”، ثم بكت عميقا.. وبمرارة، حتى أثارت انتباه إحدى المرافقات الجمعويات، التي اقتربت منها، وربتت على كتفيها، وهمست في أذنيها، سائلة إياها عن سبب بكائها؟

أجابتها: إنني مشتاقة كثيرا إلى حش “الفصة”، وجمعها، وحملها من البساتين بقريتي الصغيرة، وتقديمها للبقر والغنم في منزل أبوي..

سألتها المرافقة: من أين أنت؟

أجابت: إنني بقرية في دائرة قروية قرب تنغير…

عائشة عازبة، في العقد الثلاثين من عمرها، جميلة الخلقة، هادئة، بيضاء كالشمع، لكن بدأ الانكماش يتسلل إلى خديها، ومحجري عينيها، وبقربها كانت تجلس أختها فاطمة، التي تشبهها حد التوأمة، ولم يكن بينهما غير فرق السنة الواحدة من العمر…

بتلقائية حارقة، طلبت المرافقة الجمعوية من مفتش تربوي لو ينزل مع عائشة إلى بستان “الفصة”، ولو للحظات قليلة، كي تلامس “الفصة”، وربما قطعت شيئا منها.. ثم يعودان..

استشار السيد المفتش الموظفة المرافقة بإدارة السجن، وتبين له أن السجينة عائشة ممنوع أن تغادر الحافلة، طبعا بدافع أمني.. ناب السيد المفتش عن عائشة والمرافقة الجمعوية، حيث نزل من الحافلة، وذهب إلى بستان “الفصة” الذي أثار انتباه عائشة، وأتاها برزمة منها مما تتسع يداه لحمله منها، وقدمها إليها.. واستشعرت عائشة تماما كما لو تسلمت هدية ثمينة: التهمت بعضا منها، وحضنت بعضا آخر منها، كما تحتضن المرأة رضيعها.. وضمتها إلى صدرها المنهد بدفء لا مثيل له.. وبكت مع أختها فاطمة بحرقة كما لو أنها فقدت والدتها…

أثارت الأختان شفقة الصديقة الجمعوية، فاستأذنت هذه الأخيرة الحارسة بالسماح لعائشة بإيلاج تلك الرزمة من “الفصة” إلى إقامتها بالسجن، وقد اقتربت الشمس من الغروب..

أجابتها الحارسة: بأن عليها إخفاءها أثناء الدخول للسجن، فاضطرت عائشة إلى حشوها بقرب نهديها، وتسمرت.. كما لو أنها حصلت على صيد ثمين…

سألت المرافقة الجمعوية الحارسة عن سبب اعتقال عائشة؟

فأجابتها: إنها وأختها قد أدينتا في قضية قتل فتاة: أشرفت على نهاية عامها الثامن عشر بقريتهما، وتقضيان حاليا العقوبة الحبسية المتبقي منها عشر سنوات، إذ لحسن سلوكهما داخل السجن، استفادتا من عفو جزئي من حكم أصلي قضى باعتقالهما خمسة وعشرين عاما، قضتا منه لحد هذه الخرجة الترفيهية ست (6) سنوات، ولم تشهد الحارسة ولو لمرة واحدة طوالها، زيارة أحد من أهليهما لهما…

كفت الحارسة عن الحكي بمجرد ملاحظتها أن نحيب عائشة قد زاد عن حده، وبكت معها أختها بجوارها بمرارة شديدة..

حاولت المرافقتان التخفيف من بكائهما بدون جدوى.. حتى أثير انتباه كل السجينات المستفيدات من الخرجة والفرجة والترفيه، وكافة المرافقين والمرافقات…

التفتت عائشة – بعد هدوئها- إلى المرافقة الجمعوية، التي نسجت معها علاقة حميمية عميقة، بسبب إتقان المرافقة للغة الأمازيغية، التي لا تعرف عائشة غيرها، وقالت لها:

والله إننا لم نقصد غير إنقاد البنت من الموت المحقق من قبل أهلها، لو عرفوا أنها حامل في شهرها الثاني.. ورجتنا: أختي وأنا، في أحد بساتيننا، وكنا حينها نحش “الفصة”، أن نخلصها من حملها، الذي كان بسبب علاقتها بأحد شباب قرية مجاورة، أحبها كثيرا، وأحبته كثيرا..

لما أتيحت له فرصة الانزواء بها في منزل أبويه، يوم عرس فيما بين شاب آخر وشابة أخرى من القريتين، غرها بأنها ستكون زوجته عما قريب، وما من عيب لو وهبت له نفسها قبل الزواج.. وأجابته:

هيت لك.. ففض بكارتها.. عن طيب خاطرها، بل وقضت معه كل تلك الليلة، حتى الفجر..

أشفقنا عليها: أختي وأنا، وعقدنا معها موعدا في اليوم التالي، فقدمنا لها أعشابا لم نكن نقصد من وراء تناول الفتاة الحامل لها، غير إسقاط الجنين من رحمها..

غير أننا فوجئنا ليلتها- عقب تناول الفتاة الأعشاب، التي أوجعتها في بطنها وجعا شديدا لم تقو على تحمله- ب: وفاتها، وقبل أن تسلم روحها لباريها، كشفت لأمها سر علاقتها: بنا، وبابن القرية المجاورة…

ويحكى أن عائشة وأختها:

لما خرجتا من السجن بعد قضائهما محكوميتهما، لم يجدا أحدا من أهليهما بالقرية، إذ قضت “الجماعة” داخل القبيلة بمغادرتهم جميعا تلك القرية درءا للعار عنها..

فيما شوهدتا في أحد الأسواق الأسبوعي بقلعة مكونة متسولتين، وقد بدتا كما لو أنهما قد بلغا من العمر عتيا…

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock