من القانون

القراءة الثالثة في مشروع القانون التنظيمي الخاص بالجماعات: انتقادات

 
القراءة الثالثة في مشروع القانون التنظيمي الخاص بالجماعات: انتقادات

ابراهيم حميجو

خريج المدرسة الوطنية للإدارة وباحث في القانون العام

تشمل هده الانتقادات الجانب الشكلي، الى جانب الموضوع، دلك ان لكليهما أهميته، ففي الجانب الشكلي ارى ان هناك مخالفة – وان كانت لا تصل الى الجوهر إلا انه يتوجب الاشارة اليها – للفصل 146 من الدستور،الذي ينص على انه:

 “تحدد بقانون تنظيمي بصفة خاصة شروط تدبير الجهات والجماعات الترابية الاخرى لشؤونها بكيفية ديمقراطية،…“

والمخالفة تتجلى في ان المشرع نظم الجماعات الترابية في ثلاث قوانين تنظيمية رغم ان النص الدستوري تحدث صراحة عن قانون تنظيمي واحد، وتبدو هده المخالفة اكثر دلالة ادا اطلعنا على مشروعي القانونين التنظيميين الاخرين اللدين لا يختلفان إلا في بعض المقتضيات على مشروع القانون التنظيمي للجماعات، الى درجة ان تقنية نقل- لصق حاضرة في تحريرهما بشدة.

اد كان من الاجدر – حسب نظرتي – ان تجمع المشاريع الثلاث في مدونة واحدة مع الحرص على عدم تكرار المقتضيات المشتركة بين اصناف الجماعات الترابية، وتخصيص قسم لكل صنف من الجماعات الترابية، مع الحرص ايضا على تضمين المشروع جميع الاحكام المتعلقة بالنظام الانتخابي، والنظام المالي، والنظام الجبائي، ودلك تطبيقا للفصل الدستوري المدكور. خاصة اننا نجد اننا في القانون المقارن الفرنسي الذي نستمد منه غالبية نصوصنا القانونية خاصة المتعلقة بالإدارة، نجد ان المشرع الفرنسي جمع المقتضيات التي تهم الجماعات الترابية في مدونة واحدة بالرغم ان التنظيم الاداري الفرنسي يشمل ايضا ثلاث اصناف من الجماعات الترابية LES COMMUNES- LES DEPARTEMENTS-LES REGIONS ،

والملاحظة الشكلية الثانية تتعلق بالفصل التمهيدي الذي تضمن المبادئ التي اسس عليها المشرع الحكومي الاحكام والمقتضيات اللاحقة في نص المشروع، من قبيل التدبير الحر، التفريع، التضامن والتعاون، غير اننا نجده في المادة الخامسة يشير الى الاختصاصات وفي المادة السادسة الى التصويت العلني لانتخاب الرئيس، وكأنه يسبق الاحداث باعتبار ان هناك ابوابا كاملة خصصت لتلك الأحكام وفي رأيي كان بالإمكان تأجيل المادتين الى مكانهما في النص.

ثالث هده الملاحظات الشكلية والتي لها علاقة بالموضوع أيضا هو مضاعفة عدد مواد المشروع التي انتقلت من 147 في الميثاق الجماعي الحالي الى 300 مادة في مشروع القانون التنظيمي، ودلك راجع الى تضمين النص لمجموعة من المقتضيات المالية والانتخابية، نفس الشيء بالنسبة لمشروعي القانونين التنظيميين للعمالات والأقاليم، فتكون لدينا مواد كثيرة غالبها مكرر في المشاريع الثلاث، يضاف اليها قانون المالية والممتلكات والمحاسبة…الخ، ما يجعل الجماعات تتيه وسط هده الترسانة المتعددة والمزدوجة احيانا الى غاية التعارض، ومن هنا كونت رأيي بأنه كان من الاجدر تجميع كل هده النصوص في مدونة واحدة مع تجنب التكرار والتعقيد، خاصة ادا اخدنا بعين الاعتبار ان الجماعات الحضرية منها والقروية مازالت محدودة الامكانيات البشرية كما ونوعا وكفاءة.

وفي الجانب الموضوعي، نجد ان عدة مواد مرتبطة بنصوص تنظيمية لاحقة، مما ينبغي معه اخراج كل تلك الترسانة في الوقت نفسه والا تعطل تطبيق تلك المواد وبالتالي تعدد التأويلات ومن هنا تظهر الثغرات، ومن قبيل دلك ما اشارت اليه المادة  81 من مشروع القانون التنظيمي، التي تنص على أنه: تحدد بنص تنظيمي مسطرة اعداد برنامج عمل الجماعة وتتبعه وتحيينه وتقييمه واليات الحوار والتشاور لإعداده.

وفي نفس السياق فان المشروع الزم الجماعة بإعداد برنامج عملها خلال السنة الاولى لولاية المجلس الجماعي، ويجب ان ينسجم هدا البرنامج مع توجهات برنامج التنمية الجهوية الذي الزم مشروع القانون التنظيمي للجهات المجالس الجهوية ايضا بإعداد برنامج التنمية الجهوي في نفس الفترة، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل تنتظر الجماعة انتهاء الجهة من اعداد برنامجها، وفي هده الحالة لن يكون باستطاعتها احترام اجال السنة الاولى المشار اليها، ثم اليس من الممكن ان تبني الجهة برنامجها انطلاقا من برامج الجماعات التي تشكل مجالها الترابي باعتبار ان الجماعات اكثر قربا من الحاجيات الاساسية والأولويات، هده الازدواجية في البرامج وان كانت اساسية نظرا لاختلاف التراب والامكانيات والاختصاصات، الا انه سيشكل مجالا لتجاذب المشاريع خارج البرامج المسطرة.

أيضا نجد ان المشرع وكأنه قد اغفل تماما الاشارة الى المخطط الجماعي للتنمية ولو بالإشارة مما يعطي الانطباع بأنه تخلى عنه تماما، ولو انه جاء ببرنامج عمل الجماعة كمعطى جديد، ولا يتضح جليا ان كان الامر مجرد تغيير في التسمية ام ان الامر هو الرغبة في تجربة أخرى وفي هده الحالة فربما هو اقرار من المشرع بنسبية نجاح تجربة المخططات الجماعية، خاصة ان اغلب الجماعات لم تستطيع تنفيذ مخططاتها بشكل دقيق وهو ما يفسر انجاز اغلب المشاريع خارج المخطط. اما ان كان الامر مجرد تغيير في التسمية فاعتقد انه كان الاجدر الاحتفاظ بالتسمية الحالية، او على الاقل الاشارة الى ان برنامج الجماعة هو استمرار للمخطط الجماعي، لان النصوص القانونية تظل مرتبطة والنص الجديد ولو انه سيلغي القديم إلا انه لا ينبغي القطيعة معه على اعتبار انه تطور جاء من النص الذي سبقه.

ومن جانب اخر نجد ان المشروع قد خلق مجموعة من الاشخاص المعنوية الاخرى الى جانب الجماعة منبثقة من الجماعة، فهناك مؤسسة التعاون بين الجماعات ثم مجموعات الجماعات الترابية، ولست ادري ما الجدوى من خلق شخص معنوي جديد شبيه الى جانب مجموعة الجماعات الترابية، ولو ان النص حاول التفريق بين المؤسستين من خلال التركيبة والتخصص والمجال، إلا انني اراه تكرار لمؤسسة موجودة، فقط كان ينبغي تحسين المقتضيات الخاصة بها، خاصة في وجود الية اتفاقيات الشراكة التي يمكن اللجوء إليها واعتقد من زاوية اخرى ان الامر بمثابة تبخيس دور الجماعة كشخص معنوي هام.

ثم هناك وكالة تنفيذ مشاريع الجماعة، التي اشرت اليها في قراءاتي السابقة للنص، فعوض العمل على تأهيل الادارة الجماعية وتاطيرها بالكفاءات الضرورية في مختلف التخصصات، نجد المشرع يخلق مؤسسات اخرى للقيام بمهام ينبغي ان تكون من صميم عمل العنصر البشري العامل بالجماعة.

….يتبع

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock