مقالات رأي

البطيخ الأحمر يهدد بترحيل سكان الجنوب الشرقي

 

البطيخ الأحمر يهدد بترحيل سكان الجنوب الشرقي

 

ورزازات أونلاين
بقلم: أحمد حسيسو

مناطقُ شاسعة من إقليمي زاكورة و طاطا المعروفة بنذرة التساقطات و شح الفرشة المائية، وبالخصوص في هذه السنوات الأخيرة العجاف، باتت الآن قاب قوسين أو أدنى من موجات من الهجرة الجماعية هروبا من الجفاف.

سكان هذه المناطق المعروفون أصلا بجلدٍ و تحملٍ منقطع النظير لقساوة الظروف و شظف العيش، إذ يُمضي رب الأسرة و عائلها معظم حياته مكابدا في مدينة الدار البيضاء أو الناضور أو أكادير أو غيرها من المدن التي يمكن أن توفر له فرصة شغل، لكي يستخلص من بين مخالب الشقاء و العناء لقمة عيش للوالدين العجوزين و الزوجة و الأبناء القابعين في العزلة و الحرمان، و لا مجال للحديث هناك عن الاستمتاع بلذيذ الفواكه و أنواع الخضرات، و لا عن جودة الخدمات الصحية و التعليمية و لا عن الدواء و السكن الكريم، فبالأحرى عن الكماليات، و مع ذلك فقد ظل الصمت و الصبر سيد الموقف إلى أن استبشرت هذه المناطق بتقاطر مستثمرين مغاربة و أجانب أتوا لزراعة البطيخ الأحمر مستفيدين من أراضي شاسعة خصبة و يد عاملة رخيصة، و بدأ إنتاج ألذ أنواع البطيخ في المغرب و اكتسبت شهرة واسعة، فسارع مئات التجار و أرباب الشاحنات إلى تسويقه شمالا و جنوبا، شرقا و غربا، بل وعرفت هذه الفاكهة طريقها إلى خارج البلاد أيضا.

ولأن زراعة البطيخ الأحمر تستهلك كميات هائلة من المياه تفوق التصور، فاكتمال نضج بطيخة واحدة يتطلب المئات من الليترات من الماء!!، فما هي إلا سنوات قليلة حتى امتصت المضخات التي لا تتوقف عن العمل ليل نهار ما تبقى من أغلى ثروة في باطن أرض هذه المناطق الحارة الجافة، و هي فرشتها المائية، و أضحى السكان يعيشون صعوبة بالغة في الحصول على قطرة ماء تروي عطشهم و ظمأ ماشيتهم و ما تبقى من مزروعاتهم، فعلى ما يصبر الناس بعد هذا الذي حصل و على ماذا يحرصون، ماذا يحرسون من بلداتهم غير مباني و أطلالا لم تعد تجدي نفعا بعد جفاف السواقي و الأنهار و غور الآبار ونضوب مصدر الحياة، قال الله عز و جل في كتابه العزيز: ” و جعلنا من الماء كل شيء حي” .

في شهر ماي 2014 عاينت بنفسي انقطاع الماء باستمرار عن مؤسسات ثانوية تعليمية إعدادية و تأهيلية في إقليم طاطا، وكان هذا الانقطاع أشد فداحة في الداخليات التي تأوي المئات من التلاميذ و التلميذات، فلكم أن تتصورا أيها القراء الكرام حال الصنابير و المرافق الصحية و مصير النظافة، خاصة في أشد مناطق المغرب حرارة، و هناك دواوير و أحياء في كل من إقليمي تنغير و زاكورة تعيش أوضاعا مزرية مشابهة.

في ظل هذه الأوضاع الكارثية يستحيل الثبات و دوام الحياة، و هو ما ينذر بالنزوح الجماعي لمن لا يزال متشبتا بالمرابطة في تلك الثغور نحو المدن المكتظة أصلا، تُرى من المسؤول عما يحدث؟

إذا كانت الظروف الطبيعية قدرا لا مفر منه، فلا شك أن النظام المغربي يتحمل مسؤولية حماية الثروة المائية عن طريق الترشيد الزراعي و التنظيم الفلاحي للحيلولة دون وقوع هذه الفوضى البيئية و الإنسانية، فهو الذي يستحوذ مناجم إميضر و بوازار و ألنيف و غير ذلك من الثروات التي تختزنها أقاليم تنغير، ورزازات و زاكورة و يستغلها شر استغلال، ثروات هائلة كان بالإمكان استثمارها لإرساء التنمية المستدامة في هذه المناطق المهمشة المنكوبة، لكن لا يُعرف حجمُها الحقيقي و مصيرها في دولة ترفع زورا شعارات” الشفافية” و “الحق و القانون”!

 
 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock