مقالات رأي

يصعب تحديد مفهوم المواطنة بقدر ما يصعب العيش بالمناطق الجبلية الحدودية لإقليم ورزازات

 
 
 
يصعب تحديد مفهوم المواطنة بقدر ما يصعب العيش بالمناطق الجبلية الحدودية لإقليم ورزازات
 
 ورزازات أونلاين
بقلم فدوى بوهو
 
 
 
     ونحن نتحدث عن المواطن فإننا و الأكيد نتحدث عن المواطنة حيث الحقوق و الوجبات مبنية على أسس المساواة وتكافؤ الفرص و العدل ، و لمفهوم المواطنة أبعاد ونوا ضم متعددة مترابطة منها البعد الاقتصادي الاجتماعي و الهادف إلى إشباع الحاجيات المادية الأساسية للبشر مع الحرص على توفير الحد الأدنى منها لحفظ كرامتهم و إنسانيتهم و البعد الثقافي الحضاري يعنى بالجوانب الروحية والنفسية والمعنوية للأفراد والجماعات على أساس احترام خصوصية الهوية الثقافية والحضارية ويرفض محاولات الاستيعاب والتهميش والتنميط ،
 
و إذا تمعنا في المفهوم الحقوقي و الذي يعني التمتع بحقوق المواطنة الخاصة والعامة كالحق في الأمن والسلامة والصحة والتعليم والعمل والخدمات الأساسية العمومية وحرية التنقل والتعبير والمشاركة السياسية …فحتما الوضعية في أعالي الجبال ببلدنا الحبيب تختلف ، أبعد نقطة في إقليم ورزازات ، النقطة الحدودية بين اقليمي ورزازات و ازيلال، ليست ابعد نقطة فقط بل هي كذلك أفقر واعزل جماعة في الإقليم ، جماعة ايمي نولاون بدواويرها المتواجدة في سفوح الجبال الشاهقة والصعبة الولوج : دوار تسكايوالت نموذجا ما يقارب 140 كلم من مدينة ورزازات فنفس الوضعية تعرفها دواوير أخرى بالجماعة ( أمزري ، تمزريت، تكزيرت،تساوت ، اشباكن … )و قس على ذلك ،
 
 

      عليك أن تعلم عزيزي القارئ أن المسافة هناك لا تقاس بالكيلومترات بقدر ما تقاس بالساعات و السوكوس الناتج عن الطريق الغير المعبدة و الملتوية لمعانقة الجبال، مسالك صعبة و موحشة لا مراء فيها ، وعورة الطريق تجعل مكتشفها يقتنع بان نور الحياة متدبدب وضئيل في هذا الجزء النائي و البعيد و يجعله يشعر بعدم التأكد إلى ما سيصير إليه ، معانات مختلفة بمختلف الأحاسيس يتفاقم فيها الفقر ،الهشاشة ، العزلة و التهميش……،بينما أنت تركب شاحنة أو ترو نزيت ‘النقل المختلط’، و ما أدرك ما جبال تلك المتراوحة بين 1500 و 4000 متر و التي تعرف تساقطات ثلجية مهمة تحول دون التحرك اليومي فيبقى كل كائن على هذه الرقعة جامدا أو محاصرا لمدة تزيد على ثلاث أشهر، فمع الوقت الطويل المضاعف بالشعور بالخوف والهزات الجسدية العنيفة (السوكوس) تبدأ بوادر الحياة تستقبلك من الجانب الأخر للوادي تشع فيها عزلة السكان في هذه الجبال بين الشعب و الأودية .

وعورة المسالك تجعلنا نتصور حال التغطية الصحية : انعدام تام للمراكز و المستوصفات و لا حتى القاعات فقل ما تكون بعض الخرجات من طرف الفريق الطبي المحلي في الأيام المناسباتية (الحملات الوطنية) و الحجة هي ضعف الموارد البشرية و المادية ،و بالمقابل يتفاقم الطب التقليدي ومن بين الأمراض المنتشرة( الأمراض الجلدية،التهابات الجهاز التنفسي، حالات الإسهال المفرط و أمراض المعدة الناتج عن شرب ماء غير صالح للشرب ، لأمراض المتنقلة جنسيا،الإجهاض) و يمكن تصور العدد المهول للوفيات في صفوف الأطفال و كذا النساء الحوامل ، ناهيك عن حالات متعددة مختلفة و قاسية بقساوة الطبيعة في هذه الدواوير النائية و الوعرة المسلك،فالسؤال التالي: هل نحن فعلا في إحدى قرى المغرب الذي تصرف فيه الملايير لتوفير الخدمات الصحية للمغاربة؟؟ يفرض نفسه علينا كما لا يفارقه سؤال أخر : أي تهميش أكثر من هذا الوضع: انعدام البنيات الطبية و الصحية زد على ذلك صعوبة المسالك و هشاشة و فقر الساكنة بمعنى أن كل مصاب أو مريض محكوم عليه بالموت….
 

و إذا كانت المواطنة حقوق وواجبات و أداة لبناء مواطن قادر على العيش بسلام وتسامح مع غيره على أساس المساواة وتكافؤ الفرص والعدل، قصد المساهمة في بناء وتنمية الوطن والحفاظ على العيش المشترك ففي هذه المناطق حيث التهميش و الإقصاء تزداد المعاناة مع عدم توفير أهم مادة حيوية في البيوت مع العلم أن المنطقة جبلية تعرف صبيبا للمجاري المائية جد مرتفعا (تساقطات ثلجية و مطرية مهمة) فتجد النساء و الفتيات محملات ب 30 لتر من الماء على أظهرهن إما من الجبال حيث الأعين أو من الوادي وكأنهن دواب وفي مشاهد أخرى هن محملات بأطنان من الحطب.
 
الفتيات يعتبرن إلى جانب الذكور موردا للأسرة وبذلك يكون استخدامهن في الفلاحة و الرعي أفضل من متابعة الدراسة في مدارس وأقسام هشة البنايات و لا تستوفي الشروط (قاعات هشة، غياب المرافق الصحية، الكهرباء، الماء، المطعم، نقص في النظافة والتدفئة،…..) فعدد التلاميذ يكون محتشما رغم تواجد المدرسة بالدوار حيث أن زيادة على البنية الهشة هناك التغيب الناتج عن التساقطات الثلجية زيد على هذه الظروف السؤال : ما مدى جودة التعليم بأعالي الجبال ؟؟؟ ولولا برنامج تيسير المحفز الوحيد للأسر حيث الاستفادة من المبلغ الممنوح(ما بين 60و80 درهم) لبقيت البنايات أطلالا كما انه في المقابل هناك معاناة فئة أخرى ، اساتدة التعليم الابتدائي الدين يفتقرون لأبسط الوسائل للقيام بعملهم اليومي ، اساتدة ربما لا يتقاسمون الفقر مع الساكنة نظرا لتوفرهم على دخل يومي ولكن يتقاسمون معهم قساوة الطبيعة و العزلة ، نسبة التمدرس بهذه المناطق بدأت في الآونة الأخيرة تنتعش بفضل برنامج “تيسير” و لكن ضعف التجهيزات و الافتقار إلى ابسط الوسائل يعيق مهمة هؤلاء الرجال و النساء .
 

بينما نحن نتحدث عن تجليات المواطنة حيث المرتكزات الأربع ( الانتماء_ الحقوق_الوجبات_المشاركة في الفضاء العام ) فطبيعي جدا أن نجد هؤلاء لا يشعرون بالانتماء إلى العالم الذي ننتمي إليه حيث التمتع بحقوق المواطنة الخاصة والعامة كالحق في الأمن والسلامة والصحة والتعليم والعمل والخدمات الأساسية العمومية وحرية التنقل والتعبير والمشاركة السياسية في اتخاذ القرارات وتدبير المؤسسات العمومية والمشاركة في كل ما يهم تدبير ومصير الوطن، فهم منسيون لا يلتفت إليهم إلا في الفترات الانتخابية كونهم مواطنون يشكلون اصواتا مهمة بمعنى أدق أوراقا ،ورغم ذلك فهم متساوون معنا في الواجبات و في بعض الأحيان هم أكثر منا ،
 
فيكفي عزيزي القارئ أن أطلعك أن قنينة الغاز التي نشتريها ب 40 درهما هم يشترونها ب 75 درهما أما ثمن السفر بالنقل المزدوج إلى ورزازات للشخص الواحد 200 درهما ذهابا بمعنى 400 ذهابا و إيابا بحجة وعورة المسالك و التضاريس و البعد على الرغم من أن الجزء الأكبر من مصاريف التجهيز بالجماعة يخصص لسد العجز في البنية التحتية و الخدمات الإنسانية وتعزيز البنية التحتية العمومية ومن دون إغفال استفادة الجماعة من البرنامج التضامني : مجموعة الجماعات المحلية للتنمية GCLT كونها الجماعة الأكثر فقرا غير أن كل هذه الأشياء تبقى بلا وقع على الساكنة التي تتفاقم فيها الأمية في صفوف النساء كما في صفوف الرجال ……
 
فعن اي مفهوم للمواطنة يجب التحدث هناك بدوار تسكايوالت و عن أية أبعاد لمفهوم المواطنة وأية تجليات؟ بل نحن أمام اي مواطن ؟يصعب التحديد بقدر ما يصعب العيش هناك حيث الفقر و التهميش و العزلة التي تحول و إشباع الحاجيات الأساسية للسكان وتوفير الحد الأدنى اللازم منها للحفاظ على كرامتهم وإنسانيتهم.
 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock