مقالات رأي

كواليس مهرجان المسرح التربوي بورزازات، تجسيد لواقعنا المرير

 
كواليس مهرجان المسرح التربوي بورزازات، تجسيد لواقعنا المرير
 
ورزازات أونلاين
بقلم ذ. عبد المنعم الميموني

لا أكتب هذا المقال استعطافا و ليس طمعا في الشهرة، لكن استنكارا و تعرية لواقع مرير يكبح المواهب، و يقمع الغيورين على أبناء الشعب من هذا الوطن الحبيب، خصوصا أبناء العالم القروي.

 

بعد ما يزيد عن الشهر من الاستعدادات، و في جو من الحماس و الإسرار على تحقيق لقب الدورة، سيما و أن سقف حصد الجوائز ارتفع الان، فالثانوية الإعدادية اللوز بتندوت هي صاحبة لقب أفضل ممثلة بالإضافة لجائزة تفضيلية للدورة الماضية، أضف لذلك ضغوط تلاميذ المؤسسة على زملائهم المشاركين، فهم يرون من خلالهم الأمل، و نافذة سيطلون عبرها على عالم الحضارة بورزازات، و لن أبالغ إن قلت أن حديث الساعة بين التلاميذ آنذاك، خصوصا تلاميذ و تلميذات دار الطالب و الطالبة –نظرا لكون الاستعدادات كلها كانت تجري هناك- هو المشاركة بالمهرجان. كلها عوامل زادت من ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق التلاميذ المشاركين و كذا الأطر المشرفة عليهم.

 

لن أتحدث هنا عن خلفيات ما قبل المهرجان، و الصعوبات التي واجهتنا، فذاك حديث ذو شجون، بل سأقتصر مشاركتكم بعض كواليس يومي المهرجان.

 

انطلقت القافلة من تندوت على الساعة الثانية بعد الزوال لتعذر ذلك صباحا، نظرا لكون النقل المدرسي الذي سيقلنا لورزازات وجب عليه أولا إيصال تلاميذ المؤسسة خلال الزوال كما هو معتاد. بعد ساعة و نصف في جو من الاحتفالية و التفاؤل، نصل مدينة ورزازات، لنصفع بأول خبر، خبر انسحاب ثلاث مؤسسات تعليمية مشاركة، و السبب أن التغذية كانت دون المستوى (الخبز و السردين و العدس) و لكم أن تحكموا عن استقبال ضيوف بهذه الطريقة. هذا التصرف اللامسؤول جعلنا بين المطرقة و السندان، الانسحاب و إحباط التلاميذ أو الاستمرار لإسعاد التلاميذ، و طبعا سيصاحب ذلك الإنفاق من مالنا الخاص، لأن الجهات المنظمة (نيابة ورزازات و جمعية فوانيس) لم يعد يعول عليهما في التغذية و المبيت. جرت هذه الأحداث و نحن لازلنا ننتظر على باب القصر البلدي، شأننا في ذلك شأن الجمهور. فالمنظمون لم يعيرونا أي اهتمام، رغم أني أبلغتهم ما من مرة أننا الوفد الممثل لتندوت، لكنهم يجيبوننا بكل برودة دم أن ننتظر مع الجمهور، لأن الأبواب ستفتح بعد قليل. و لولا اتصال هاتفي برئيس الجمعية المنظمة لبقينا خارجا، و هو حال كثير من المشاركين مثل وفد ملحقة إعداديتا، الذين لم يجدوا مكنا لهم داخل قاعة العرض مما زاد الطين بلة.

 

ولجنا القاعة، و منذ ذاك و نحن ننتظر، زهاء ساعة و نصف من التأخر عن الموعد المقرر للافتتاح، وكأننا قدمنا لنتعلم درسا في كيفية إعداد قاعة للعرض و ليس للمشاركة، العروض التي تعتبر عصب هذه التظاهرة لم تبتدئ إلا قرابة الخامسة مساء، (ليس هناك ما يدعو للغرابة نحن في المغرب و الوقت لا قيمة له). أخيرا ابتدأ العرض الأول (مسرحية حمام الشعب) كان جيدا و نال استحسان الجمهور على اعتبار أنهم أصحاب لقب الدورة الماضية، لكن العرضين المواليين شهدا انفلاتا للجمهور، نظرا لكون أحدهما باللغة الإنجليزية (الدكتور الأحمق) و الاخر (الدنيا دوامة و الزمان لوام) لعدم قدرة الممثلين إسماع صوتهم، ليس خطأهم، لكن الجهات المنظمة لم توفر اللوجستيك من مكروفونات…. و جذير بالذكر هنا أن أشير إلى أن القاعة قد تصلح لأي شيء إلا للمسرح. هي قاعة صغيرة، نصف الجمهور أو يزيد بقي خارجا و سبب فوضى و ضجيج أثر سلبا على مجريات العروض، أضف لذلك تصميمها الذي لا يتلاءم و شروط قاعات العروض المسرحية.

 

انتهت عروض اليوم الأول، و بدأت محنتنا مع البحث عن البديل، و تحمل تبعات قرارنا بالاستمرار، كل هذا مع الاحتفاظ بابتسامة عريضة مع التلاميذ حتى لا يشعروا بأي شيء غير عادي، خلصنا لنأخذ قسطا من الراحة في أحد المقاهي بساحة الموحدين، بعدها القيام بنزهة في المدينة، فتناول وجبة العشاء في مطعم عائلي محترم. أما المبيت فقد اقتسمنا بينا التلاميذ. التلميذات سيبتن مع مؤطرتهم التربوية عند بيت عائلتها و نفس الشيء مع التلاميذ رفقة أحد مؤطريهم، و البقية عند أحد الزملاء. كل هذا العناء، لأن النيابة و الجمعية المنظمتين لم يقوما بواجبهما في استقبال الضيوف بما يليق، فقد كان مقررا حسبهما المبيت في الداخليات، و أنتم تعلمون حالها.

 

في صبيحة اليوم الثاني، حضرنا في الوقت المقرر، لكن كالعادة، هناك تأخر في الانطلاقة، بدأ العرض الأول (سطل الزنجبيل) و بدأ معه تحضيرنا في الكواليس، و مع حلول دورنا، الكل في حالة تأهب قصوى، دقت ساعة الانطلاقة، مسرحيتنا (ليت هذه الطفلة ابنتي) على الخشبة في هذه الأثناء، و جميع التلاميذ أدوا أداء باهرا، جعل الجمهور يذوب مع أطوار المسرحية، و يتفاعل معها تفاعلا لم يشهد له مثيل مع العروض السابقة، (و لمن حضر أن ينفي أو يؤكد هذا الكلام)، و يكفينا شرفا أننا المسرحية الوحيدة التي وقف الجمهور لتحيتها مرتين تحت تصفيقات حارة.

 

بعد انتهاء المسرحية، سيل من التهاني انهال علينا في الكواليس، و من بينهم رئيس جمعية هواة المسرح بورزازات، الذي نعتز بشهادته. و كذلك الأستاذ القدير و المسرحي المتفاني بومنيجل الذي تم تكريمه خلال هذه الدورة، و الذي قال لأحد الأطر التربوية المرافقة لنا (أنا لست من الجمهور) يضيف بتواضع (لكني أفهم قليلا في المسرح) و يضيف (عرضكم كان الأفضل)

 

توجهنا بعدها لأحد المطاعم الراقية بورزازات، رغم غلاء الأسعار بها، لكن لابأس، أبناؤنا التلاميذ يستحقون أن نفرح و نحتفل بهم، خصوصا بعد أدائهم الساحر.

 

مساء (مسألة تأخر الوقت أصبحت عادية) قدمت الجمعية المنظمة وابلا من الشهادات لشركاء لم يتجسد لنا أين و كيف شاركوا في هذا المهرجان. و إن كانوا قد شاركوا في إحدى الأنشطة سابقا، لم استغلال المهرجان بالذات للدعاية لهم؟ (لكل مقام مقال) دام ذلك زهاء الساعة و النصف، أما تكريم المشاركين في العروض المسرحية فلم يتجاوز النصف ساعة. دقت ساعة الحسم، وسط جو من القلق و لهفة في حصد الجوائز خصوصا بعد التهاني و التطمينات التي حظينا بها، نلنا جائزة أحسن ممثلة، و نطلب المزيد، فنحن متأكدون من تفوقنا، لكننا نصدم عند إعلان الجائزة الكبرى للمهرجان بمنحها لمسرحية (سطل الزنجبيل)، نزل الخبر كالصاعقة، صمت رهيب في وفدنا، ليس غبطة و لا حسدا، لكن لأحقيتنا بالجائزة، المسرحية الفائزة مقتبسة، و تعالج موضوعا سياسيا يفوق قدرة استيعاب المتلقي (التلميذ) فأين هي تسمية المهرجان بالتربوي؟ و لم يتم احتقار المؤسسات البعيدة عن المركز الحضري؟ سواء في المناسبات الرياضية أو الثقافية أو الفنية؟ و إن كانت الجوائز ستمنح لمؤسسات المجال الحضري، لم يكبدوننا عناء السفر و المشاركة؟

 

بعد مغادرتنا و أثناء عودتنا، جو من الخيبة و الحسرة يسود الوفد، ليس انهزاما و لكن للاضطهاد الذي مورس علينا، تلميذة تبكي من هنا و اخر يشتكي من هناك، ما إن نمسح الدموع عن الأولى حتى ينهال الاخر بالبكاء، و كأننا في مأتم أو جنازة، بل و كأننا من يحمل على النعش. نحاول مواساتهم و الاحتفاظ بالابتسامة، و في الداخل جرح ما بعده جرح.

 

ما حدث أجده عاديا بعد التجارب التي مررت بها في حياتي، لكني وجدت حرجا شديدا مع تلاميذي و هم يلامسون على أرض الواقع سوء تنظيم و لا مساواة بين أبناء الوطن الواحد، كيف سأحدثهم فيما بعد عن القيم و المساواة و التربية على المواطنة؟

 

كل هذه الأحداث ستجعلنا نفكر مليا قبل اتخاذ أي مشاركة مستقبلا، ما لم تراجع الجهات المنظمة أوراقها، خصوصا فيما يتعلق بالقدرة على تنظيم مهرجان بهذا الحجم، و استقبال الضيوف، و الاختيار الأنسب للجنة التحكيم، التي يجب أن تلزم الحياد، و الشرط الضروري للوصول لذلك هو إيفاد لجنة جميع أعضائها بنحذرون من خارج الإقليم.

 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock