مقالات رأي

أيام ورزازات الأولى-الحلقة الثانية-

أيام ورزازات الأولى-الحلقة الثانية-
محمد ابن تيزى
أستعير هذا العنوان من سيرة ذاتية للكاتب والصحافي السوداني المقيم بالمغرب،طلحة جبريل والتي عنونها ب”أيام الرباط الأولى” وذلك لأحكي للقراء الكرام قصة طفل – كنته- وافد على ورزازات خلال نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي . بعد أيام من وصول صديقنا الطفل الصغير الذي كنته إلى حي المقاومة-دوارالشمس-بدأ يستأنس يوما بعد يوم بأصدقائه من جيران الحي وقبلهم كان ينتظر بشوق إطلالة أصدقاء آخرين من وراء زجاج التلفاز المتدثر باللون الأبيض والأسود،فقد كان ينتظر بشوق ماجدا اللعبة الخشبية،و توم سويير الطفل الأمريكي الذي يرافق صديقا له بنى بيتا فوق أغصان شجرة على ضفاف نهر الميسيسيبي.وبالإضافة إلى تلك الرسوم، كان الرعب يمتلك الطفل وأصدقائه وهو يشاهد سلسلة “جيمي القوية” و”هرقل” الذي ينتفخ جسمه إلى أن يمزق ملابسه.وكان أيضا يتابع بقليل من الاهتمام مسلسل “دالاس” حيث كان أصدقائه وأبناء الجيران يلقبونه ب “جيير” نسبة إلى أحد أبطال المسلسل نظرا للشبه الكبير بينهما, اليوم لازال صاحبنا يلتقي أصدقائه القدامى فينادونه جيير تيمنا بتلك الأيام التي مضت ولن تعود،كان حزن صاحبنا وجميع الأطفال يكون كبيرا حينما ترتدي شاشة التلفاز رداء مخططا بخطوط بيضاء وسوداء بسبب انقطاع البث من الهوائي الذي كان الكبار يقولون أنه يوجد في جبل عال في تيشكا،وكثيرا ما يقال إنه يخضع للصيانة حينا أو يكون ضحية عواصف ثلجية أحيانا،وبالمقابل كنا كأطفال ننظر إلى ذلك المرتفع قرب”تابونت” حيث يظهر هوائي آخر ونحن ممتنون له بما يقدمه إلينا من برامج ورسوم متحركة وغيرها،فقد كنا عبر ذلك الهوائي الشامخ نتابع التلفزة المدرسية،وتعليم اللغة الإنجليزية وحتى الإيطالية،وغيرها من البرامج التعليمية التي هجرت تلفزتنا اليوم واستقربعضها في جزيرة جليدية سموها “الرابعة” لا تجدها إلا في أقمار يختلط فيها الحابل بالنابل. كانت الأيام تمضي بألعاب موسمية متنوعة،حيث أن لكل فترة من السنة لعبتها،فمن لعبة الخذروف “الطرونبية” إلى العجلة السلكية أو المصنوعة من الأنبوب البلاستيكي الأحمر إلى كرة القدم والتي غالبا ما تأتي دورية الشرطة العسكرية “باتروي” فيفر الأطفال مطلقين سيقانهم الصغيرة للريح تاركين الكرة الصغيرة تذهب إلى الإعتقال،وقد كان للصندل البلاستيكي الأخضر اللون الذي كنا نسميه “حنيقزة” الدور الكبير في عمليات الفرار تلك،حيث يمرق الصغار كالسهم مخلفين زوبعة من الغبار.كان بحي المقاومة خليط من الناس الذين قدمو إلى ورزازات من مناطق مختلفة،وذلك ما مكنهم من المثاقفة فيما بينهم،حيث يتم تبادل الثقافات والعادات والإستفادة من بعضها البعض.وكانت عاشوراء إحدى المناسبات التي تظهر خلالها التقاليد المتنوعة والتي كان أبرزها حرب التراشق بالمياه،وهي حرب هزلية قد تتحول إلى مواجهة جدية حين تتبلل أوراق رجل عصبي أو سائق يوقف سيارته ليزبد ويرعد مهددا جحافل الأطفال والمراهقين الممسكين لقنينات الماء أو “السطول” البلاستيكية الصغيرة التي يكتب عليها اسم شامبوان دوب وغير ذلك,,,في ليلة عاشوراء أيضا تشتعل “الشعالة” ويكون الأطفال قد تسلحوا بالطعارج الصغيرة وهم يطوفون على البيوت مرددين الأنشودة الشهيرة “بيضة بيضة لله باش نزوق لوحتي,,,”ومن مظاهر تلك الإحتفالات أيضا نجد طقوس رمضان،والتي كان أبرزها حين ينتهي مسلسل “طارق بن زياد” لينطلق المشاغبون الصغار وقد وضعوا على رؤوسهم قطع “البيدوزات” الصفراء الخاصة بالزيت لتبدو مثل الخوذة الحربية لطارق بن زياد،وهم يمسكون سيوفا سلكية وحديدية،وبعد إشارة زعيمهم الذي يحمل اسم طارق بالطبع،ينطلق الجميع في الجري وهم يقلدون ركض الخيول وهم يصيحون “الله أكبر” ثم ما يلبثوا أن “يشتبكوا” مع مجموعة أخرى من الحي،لتنتهي “المعركة” بعد قليل بالضحك والنكات المتبادلة بين الجميع ثم يمضون إلى حال سبيلهم,في رمضان أيضا يقلد الصغار الكبار فيجمعون مساهمات لشراء “الكارطة” لتنظيم دوريات طويلة ولا منتهية في “الرونضا” و أشواط “الكانزا” و”كانت كوبي”… كان المجال الذي يعيش به صاحبنا مقتصرا على الزنقة التي يعيش بها ومحيط مسجد المقاومة وديورالعمالة التي كان وسطها ملعب صغير يمضون فيه أغلب أوقاتهم حين لايذهبون إلى الكُتاب،وكانت الفرق تتكون من الأطفال الذين يسكنون “الزنقة “الواحدة..ومصطلح الزنقة هذا هو الذي كان سائدا أنذاك إذ لم نكن نقول الحومة أو غيرها…الآن وبعد موضة “زنكة زنكة” يبتسم صاحبنا بسخرية وهو يتذكر أيام أصدقاء الزنكة….يتبع محمد ابن تيزى
 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock