الرياضة

الجماعة القروية لإكنيون: الواقع والتطلعات

 
 
ورزازات أونلاين
صاغرو-إكنيون: حسن ابلوح

إن الحديث عن البقاع العميقة من المغرب، لمسألة صعبة، لا لشئ إلا أن فك طلاسيمها، يصطدم بعراقيل عدة، ذلك ما يقتضي منك التريث وضرورة تناول ودراسة العديد من المتغيرات التي تميز هذه المجالات، قصد استيعاب الاشكاليات الأساسية التي تعاني منها. هنا إكنيون كنموذج حي عن ذلك، فهي جماعة قروية تابعة إداريا لإقليم تنغير، وتتموقع وسط صاغرو، ذو الارث التاريخي الذي بُصم في الذاكرة الجماعية بالجنوب الشرقي.

فتمحيص مجموعة من المؤشرات الرقمية وردود فعل المواطن البسيط بإكنيون، تستخلص منها أنها منطقة ذات مؤهلات متنوعة، مهمشة سياسيا، ومنكوبة اجتماعيا. رغم أن ساكنتها مرتبطة عاطفيا بها، لكنها في كثير من الحالات، يدفعها الخصاص المسجل بها إلى مغادرتها صوب مجموعة من المناطق حيث الظروف التعليمية والصحية أحسن من تلك التي يعيشها، وأيضا مجالات توفر فرص شغل له ولو في مهن بسيطة، خصوصا السواعد الشابة التي تضطر إلى مغادرتها رغما عنها في ظل غياب مشاريع قادرة على توفير مداخيل قارة، وفرص عمل تُدعم استقرارها الاجتماعي واستقلالها المادي. كل ذلك يدفعها إلى التوجه صوب المدن الداخلية المغربية. بالإضافة أن المنطقة تسجل بها أرقام مقلقة على مستوى الهدر المدرسي، وأيضا واقع صحي يتسم بالهشاشة المطلقة فلا موارد بشرية كافية ولا تجهيزات صحية قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الساكنة التي تتجاور17 ألف نسمة.

هذه المتغيرات التي تعيشها، تجعل الأوضاع فيها تزداد تراجعا سنة بعد أخرى، إلى درجة أن السكون الدائم والتابث صفة تلازمها، رغم أنه يكسر بين حين وأخر بخرجات للساكنة في فترات زمنية متباعدة-29/03، 05/04 و 26/04 من سنة 2011- مطالبة بإنصاف اجتماعي تارة، وبحقها من البرامج التنموية تارة أخرى. دون شك ذلكـ يزعزع أصحاب النفوذ، والكائنات المستوطنة على الكراسي، التي هيمنت على اللعبة السياسية بالجماعة متأثرةً بالنمط القبلي الذي مازال سائدا بالمنطقة، حيث يتم الاستعانة به وتوظيفه كأداة في أيادهم، لتضليل وغض البصر عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي المرير للساكنة.

فرغم أن ما يوجد فوق سطح الأرض بها لم ينصفها، لكن ما تحته، يبعث على الأمل، خصوصا إن كانت هنالك إرادة واضحة تروم إلى تأهيلها اجتماعيا وإقتصاديا، يعتمد في ذلك على ما يوجد في ترابها.

نروم من خلال هذا المقال تشخيص واقع حال جماعة إكنيون، ودراسة الجوانب التي تهم القطاعات الاساسية التي للساكنة العلاقة بها، من خلال الاعتماد على منهجية واضحة، بها لا نريد أن نسقط في الذاتية ولا إصدار أحكام مسبقة، لكن الاعتماد على المؤشرات هو طريقنا للوصول إلى نتائج دون أن نغفل أن ذلك يقتضي منا وضع بدائل تهم النتائج المحصل عليها.

فغيرتنا على المنطقة باعتبارنا أحد أبنائها، يقع على عاتقنا مسؤولية المساهمة في الدفع بها نحو الأفضل، وأيضا باعتبارنا نمثل فئة داخل المجتمع ينتظر منه الشئ الكثير. أن ندلو بدلونا في تناول مجموعة من القضايا التي تهم المنطقة.

 

الخصوصيات الطبيعية لإكنيون: مؤهل أم إكراه تنموي؟

لعل الخاصية الأساسية التي تتميز بها الجبال، أنها تتسم بتنوع طبيعي ومجالي مهم، وكذا إختلاف المصادر والموارد الاقتصادية لكل جبل على حدة. فصاغرو مجال سياحي صرف، ميزته الطبيعية الأساسية هي تنوعه التضاريسي يتخلله مجموعة من المنخفضات الضيقة التي قد يتجاوز ارتفاعها 2000 متر، إنها لمنطقة متضرسة بشكل يعطيك انطباعا أنك وسط صحراء من الجبال، التي يتم استغلالها في مجموعة من الأنشطة تشكل ركيزة الاقتصاد المحلي، وخاصة تربية الماشية كأهم نشاط الذي تعتمد عليه الساكنة، رغم أن مكانته تراجعت في السنوات الأخيرة ارتباطا بالتحولات السوسيواقتصادية المميزة له. بالإضافة إلى تنوعه الجيولوجي حيث يتشكل من حقب وأزمنة جيولوجية مختلفة مما يجعل منه لوحة طبيعية بامتياز تتدخل فيه مجموعة من الألوانّ، منحه ذلك روقنا وجمالا خاصا وانسجاما واضحا بين البنيات والتجهيزات البشرية مع الوسط الطبيعي.

كما أن هذه الجبال التي أريد لها أن تبقى جامدة، تتوفر على ثروات لا تقدر بثمن، بعثات علمية تلوى أخرى، كل كلومتر منها تم حفره، مؤشرات ميدانية تثبت أن المنطقة كلها معادن، حيث استرعت منذ الفترة الاستعمارـية باهتمام اللأجانب، من خلال قيام مجموعة من المستكشفين بدراسة معمقة حول جبالها، ويلخص سبلمان أهميتها في قوله” يمكن تحسين عيش القبليين بالاستثمار في مصادر جديدة، لا ننسى أن باطن الأرض لم يستثمر بعد وقد يتوفر على ثروات معدنية غنية” (29LES,P AIT ATTA DU SAHARA) ، ومنذ ذلك الحين انطلق مسلسل التنقيب والبحث عن الموارد المعدنية بالمنطقة، وأثمر ذلك اكتشاف مجموعة من المناجم المختلفة من حيث أنواع المعادن التي تتوفر عليها.

كلها عوامل تؤكد أن جماعة إكنيون لها من المؤهلات ما سيحرك عجلت التنمية فيها، خصوصا إن وُجدتْ هنالك إرادة حقيقية لذلك، فرفع العقاب الجماعي الذي فرض عليها منذ عقود، يبدأ من تحسين ولوجية الساكنة للمرافق الأساسية، وتوفيرها بشكل الذي يكفل تحسين ظروفها المعيشية.

اكنيون بين انتظارية الساكنة والتدخلات المحدودة

تتقاسم مجموعة من الأنشطة الاقتصادية الحياة اليومية لساكنة إكنيون، حيث تعتمد على فلاحة معاشية كنشاط اقتصادي أساسي منذ عقود، غير أن تعدد العراقيل التي تواجه هذا القطاع الحيوي تحول دون تحسن إنتاجيته، مما أضفى على منتوجاته صفة معاشية أكثر مما هي تسويقية. هذا ما يدفع بالفلاح المحلي إلى البحث عن موارد أخرى وأنشطة مكملة، بالخصوص الحرف التقليدية حيث تشتهر المنطقة ” بتعمورين” والحدادة التي يبدعها فيها حرفيين من دواوير المنطقة، رغم أنها تعاني من مشاكل عدة، كغياب التأطير وتوعية الأجيال الحالية بأهمية مهن الأجداد.

صور: لتعمورين-ن-صاغرو، وبعض أواني الفخار المحلي

بالإضافة إلى صناعة الفخار التي يتفنن فيه “ايت تفريت، الخطارة…” بمختلف الأشكال التي تميز الفخار المحلي، وتوجه في الغالب هذه المنتوجات للتسويق السياحي. الذي أصبح يعرف تطورا ملموسا من خلال ارتفاع عدد السياح رغم انعدام البنيات التحتية الأساسية، حيث يسجل غياب تام لأية وحدة فندقية بتراب الجماعة باستثناء بعض الملاجئ العشوائية. فرغم أن المنطقة تتوفر على مؤهلات طبيعية، ثقافية ثم تاريخية ، إلا أن ذلك لا يستغل بشكل معقلن، نظرا لإهمال الفاعلين المحليين هذا النشاط الحيوي الذي قد يتيح إمكانية إخراج المنطقة من عزلتها، وتوفير مورد اقتصادي إضافي للساكنة، لكن ما يميز السياحة بصاغرو أنها سياحة عبور غير مندمجة، تستهلك المناظر الطبيعية والمخزون والإرث الثقافي بالمنطقة بالمجان، نظرا لغياب أي بنية سياحية على جل تراب الجماعة، لكن في الآونة الأخير قام فاعل محلي بمبادرة خجولة يروم من خلالها بناء متحف بموقع معركة “بــوكافر” كمبادرة منه للنهوض بالقطاع السياحي، والذي أثار ردود فعل متباينة، بدواعي أنه ينكل بقبور الأجداد، والجهة المكلفة بإنشائه أهملت هذا البعد، فهو حسب أحدهم ” لغم قبل أن يكون تكريم”.

كما أن المنطقة تعرف خصاصا مهولاً في البنيات المهيكلة: أولها الطرق التي لها أهمية كبرى في الحياة اليومية للإنسان في كل المجالات، فعبرها يتم الربط بين مختلف المناطق والجهات، ونظرا لموقعها الجغرافي فإن جماعة إكنيون تعاني هشاشة ونقص كبيرين على مستوى البنيات التحتية، فالطريق الثانوية التي تربط إكنيون بالطريق الوطنية رقم 10، في حالة يرثى لها خصوصا في 10 الكيلومترات الاولى منها، التي ما فتأت الساكنة تطالب بإصلاحها، كما هو الحال بالنسبة لطريق الرابط بين تنغير واكنيون عبر “تيكت” ، فإذا تم تعبيده فإنه سيفك إشكالية أزيد من 10 ألف نسمة الواقعة في الوجهة الشرقية للجماعة، دون أن ننسى طريق “تيزي-ن- تزازرت” التي تربط بين إكنيون والنقوب، والتي تم شقها في الفترة الاستعمارية، منذ ذلك الحين بقية على حالها، رغم أهميتها الاقتصادية المهمة، حيث تشكل ممر مهم في الرحلات السياحية بالمنطقة التي تتخذ هذا المسار لبلوغ النقوب…

نفس الإشكال بالنسبة للقطاعات الاجتماعية الأساسية -الصحة، التعليم -، فالجماعة تعرف هشاشة مطلقة على مستوى الخدمات الصحية، وتعبر الساكنة عن تدمرها الشديد عن الواقع الصحي بالمنطقة والذي أبانت عنه في أكثر من مسيرة ، حيث عبرت عن سخطها البالغ عن وضعية القطاع الصحي، وتردي الخدمات التي يقدمها المركز الصحي متسائلةً عن المستفيد من هذه الوضعية، والأسباب الذي دفعت المسؤولين عن هذا القطاع إلى إهمال إكنيون صحيا، فالمركز الصحي لا يتوفر إلا على مولدة واحدة، مركز أصبح دوره يقتصر على توجيه المرضى إلى مستشفيات المناطق الأخرى، في ظل غياب الوسائل اللازمة وغياب التخصصات الطبية الضرورية. أما قطاع التعليم بدوره يعاني من مشاكل جمة: الاكتضاض، نقص أطر تربوية ، بنية تحتية لما بعد الابتدائي قليلة التجهيز وشحيحة لسد حاجيات المنطقة منها، مما يعرض أبناء المنطقة إلى الانقطاع عن الدراسة في السنوات الأولى خصوصا لدى الإناث نظرا لبعد المدارس مما يدفع الأسر إلى تخلى عن فكرة إتمام الدراسة، كما أن المنطقة تعرف غياب تام لشبكة الأنترنيت، وما لذلك من أثر على السير العادي للمنظومة التعليمية، خصوصا لدى الأطر التربوية والمتعلمين.

فافتقار البنية المجالية لاكنيون لوسائل تنموية حقيقية، جعلها تقوم بوظائف محدودة، وأنشطة تعليمية وصحية ناقصة ومتردية، وفي مقابل ذلك تنبني على أنشطة فلاحية وحرف تقليدية غير مهيكلة نزولا عند الحاجيات البسيطة للساكنة، التي ترتبط بتراث ثقافي غني أبدعت في أشكاله بين معمارها المتميز، وتراثها المادي التي يعيش في حالة احتضار في ظل غياب استراتيجيات واضحة تروم حمايته وتثمينه خدمة للفعل التنموي بالمنطقة.

كل ذلك يؤكد أن أفاق التنمية بالمنطقة ستظل رهينة – بشكل كبير- بطبيعة البرامج والمشاريع التي سيتم إعدادها وإنجازها من طرف مختلف الفاعلين التنمويين المحليين مستقبلا، وكذلك بنوعية الرهانات المستقبلية، وذلك لن يتأتى إلا بــ:

توفير بينيات تحتية من خلال مد وتعبيد الطرق،

توفير الشروط الموضوعية للإسثتمار بالقطاع السياحي،

الدعاية والإشهار بالمنطقة من خلال إبراز مؤهلاتها التاريخية والثقافية ثم الطبيعية،

إقامة مهرجان محلـــي لتسويق المنطقة،

حث وتوعية أبناء المنطقة خصوصا المهاجرين(علما أن المنطقة تتوفر على نسبة مهمة منهم ) بالخارج بأهمية الاستثمار فيها،

اعتماد البعد الثقافي للتنمية كبعد أساسي، وهذا يستلزم احترام الهوية الثقافية ومظاهرها المختلفة (اللغة،القوانين العرفية…)،

ضرورة التقييم الدوري للبرامج التي تهم القطاعات الاجتماعية والاقتصادية بالمنطقة، وإعادة توجيهها لتطويرها،

دعم مجموعة من الأنشطة الموازية للاستخراج المعدني، وجعل المنطقة المستفيد الاول منها،

إحداث تكوينات علمية تلائم حاجيات المنطقة على مستوى ( المعدني، سياحي، فلاحي…)،

العمل من أجل استخراج واستغلال الثروات الطبيعية التي يتوفر عليها صاغرو عامة،

العمل على خلق فضاءات ثقافية ورياضية للقرب،

التعجيل بربط المنطقة بوسائل الاتصال الحديثة،

دعم العمل الجمعوي الجاد والهادف،

ضرورة وضع مخطط واضح للتنمية، ينطلق من انتظارات الساكنة وأولوياتها،

تطوير التجهيزات الأساسية لفك العزلة وتدارك التأخر الحاصل في المرافق الاجتماعية مع الرفع من فعالية الأنشطة التقليدية.

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock