مقالات رأي

الكتابة ب”الدْفالْ”

 
الكتابة ب”الدْفالْ”
 
بقلم: حسام الدين نوالي

لا أعرف معنى أن يبلّ الشخص طرف سبابته ثم يخط على الحائط علامة ويقول لك :”هاهي.. إوا عقل عليها، أو ديرها فين تجيك!!”

ولا أعرف كيف يتحمل اللعاب حرقة بيان التهديد والتنديد، ولا متى بدأ العمل بكتابة البيانات القوية باللعاب حتى صار في أقصى صوره يتجاوز الخط بطرف السبابة على الحائط إلى اللطخة على الوجه في “تفو”.

***

اللعاب أو “الرضاب” الذي كان عمق الوصال عند الشاعر العربي القديم مع المحبوبة، صار فيما بعد مقاما من مقامات الرفض والتنديد، وصار اللسان درجةً ضمن مراقي البلاغة في بيان الصرخة والثورة. وصار اللعاب والحبر غريمين عند أهل الحَرف حتى قال مصطفى صادق الرافعي:

مدادكِ في ثغر الزمان رضاب *** وخطك في كلتا يديه خضاب

وتساوى الحبر والخضاب في الخط والثغر واشتبك هذا بذاك في صورة أشبه باشتباك الألسن، بل إن بعض كتابنا من أهل المعرفة يرتبون قوة اللعاب فوق قوة الحبر، ليدبجوا بيانا للرفض ليس بمحبرة وقلم -كما عهدتم وعهدنا، ولكن بفم ولعاب كما فعل “موليم العروسي” قبل عدة أشهر مع زوجته في بلاغة “لذيذة” ثائرة على عبد العزيز أفتاتي؛ وكما فعلت ابتسام لشكر وسفيان فارس وتابعيهم وتابعي تابعيهم قبل أيام في مهرجان اشتباك الألسن قبالة البرلمان المغربي، في نص بالرضاب مستفز وصارخ ضدا على اعتقال تلميذيْ الناظور؛ وفي نصّ بيانٍ تضامنيّ وبرقية تنديد مدتها زهاء خمسين ثانية تعسّر استمرارها وفق ما سطره “الناشطان” ابتسام فارس ومن معهما بفعل انفجار “البارود(ي)”، وهو فعل مستند إلى رفض مجتمعي مرتكز على تراث ديني وأخلاقي واسع.

والتراث العربي الذي أنتج “الرسالة البغدادية” [للتوحيدي]، و “مفاخرة الجواري والغلمان” [للجاحظ]، و “رشف الزلال من السحر الحلال” [للسيوطي] و”الروض العاطر” [للنفزاوي].. وغيرها – لم يكن منفتحا وقابلا للمجاهرة بالفحش، ولكنه منح لبلاغة الحبر قداسة مستندة إلى ما أسماه أدونيس “الثورة الكتابية الأولى” ليصف لحظة معرفية هامة هي لحظة نزول القرآن حيث “إبداع العالم بالوحي وتأسيس له بالكتابة”. وفي الكتابة يختلط الديني بالنخبوي ليحصر المادة بين أهلها ويحمي غيرهم من تأويلاتها وامتداداتها غير السليمة.

بالمقابل فإن “الثورات التضامنية” التي تتناسل هنا وهناك هي قيم إيجابية لكنها ستظل “ثورات من دون ذاكرة”، وسرعان ما سننساها لأنها تجزيئية وغير مؤسسة على بنية كلية. إذ التضامن ليس إعادة إنتاج بليدة، فلا أحد تضامن مع أنوزلا بإعادة نشر فيديو تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي – كما دعا صديق على حائطه في الفيس-، وفيما تصير القبل عند البعض بلاغات وبيانات فإن ترتيبها أصلا للرسالة غير يسير، ويتعسر فك شيفرتها الحقيقية فيجد أهلها أنفسهم مجبرين على العودة للحبر والقول والقلم في نهاية المطاف.

وقد سأل التوحيدي قبل ألف عام في “الهوامل والشوامل”: “لِمَ صارت بلاغة اللسان أعسر من بلاغة القلم؟ وما القلم واللسان إلا آلتان وما مستقاهما إلا واحدا…؟

***

وشخصيا لا شأن لي بمضمون البيان ورسالته ولا بأخلاق النشر ولا المجاهرة بما يخدش بصرا أو حياء.. ولكن ما يقلقني وما أخشاه هو أن تنتقل العدوى إلى أهل الشِّعر فأشتري يوما ما كتابا لا شيء فيه ظاهر لأن كاتبه به حرقة لا يحتملها الحبر فكتب كل شيء بــ “الدفال”..

 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock