الرياضة

عمود أنا وضميري المستنير : التســـامح

 

عمود أنا وضميري المستنير : التســـامح
 
م إدريس الصرصاري
 

أحيانا أتحدث إلى نفسي فقط، تجادلني وتحاورني وتعاتبني وربما تجادلني، أجلس وحدي لأحاورها في لحظة فرح، في لحظة خوف، في لحظة فكر، في لحظة قلق في لحظة حزن أو في لحظة غضب، حاولت ترجمة الحوار إلى كلمات مكتوبة منمقة وفي طيها آهات وآمال، عنونتها ب”أنا وضميري المستنير” لكون من يحاورني يريني غالبا طريق الصواب.

بينما أنا جالس لوحدي، مر شريط ذكريات أمام عيني لعل أغلبها كانت مع أناس لقيت منهم الآذى بدون سبب وجيه فهذا يسبني ويسب موطني فقط لأنني لم أقم بإصلاح حاسوبه، ولو أنني كنت مشغولا وذلك بدون مقابل، وآخر يهينني أمام زملائي في العمل فقط لأنني لم ألبي طلبه بمنحه كلمة مرور جهازي، وآخر حاول تشويه سمعتي وحرض آخرين على مقاطعتي لا لشيء سوى أنني لم أذعن لاستنطاقه حول سر مهني ولأن رئيسي في العمل فضلني عليه في بعض الأعمال، آخر غضب مني فقط لأنني ضبطته متلبسا في سرقة وخداع وكنت سأكون الطرف المتضرر, وآخر و آخر…
 
  أوقفت هذه الذكريات المرة وشرعت أفكر في كيفية التعامل مع مثل هؤلاء الأشخاص، هل أعاملهم بالمثل؟ يجيبني صوت داخلي: اتقصد الانتقام؟ ألا تعرف أن الانتقام هو أن تعض كلبا قد عضك فتكون مثله؟ أجبته: إذن كيف؟ مهلا مهلا سأقاطعهم وأمنع أية علاقة وتواصل معهم؟ يجيبني الصوت: كيف ذلك؟ ماذا لو أثر ذلك على عملك؟ ماذا لو كان قرارك سيزيد من توتر العلاقات؟ ثم إن كل إنسان معرض للخطأ وربما يكون الخطأ بدون قصد، وقد يكون تسامحك معه درسا له فلا يعود لما وقع فيه من الخطأ
 
لن أنكر أن هناك أناس ليس لديهم أي إيمان بالصداقة والأخوة فيدمرون كل شيء في لحظة دون مبالاة لأحد، لأنهم أنانيين قد تملك فيهم حب الذات وأغناهم عن حب الاخرين وسرعان ما يخسرون علاقاتهم بكل من حولهم، أجبته: كثيرا ما أتسامح وأنسى لكن هناك أناس قد تعودوا على الخطأ لأنهم دائما يقابلون بالغفران والمسامحة ونسيان الزلات، سألني ذلك الصوت: هل أنت مسلم؟ من هو قدوتك؟ أجبته: نعم أنا مسلم وقدوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة بقول الله تعالى{لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة} أجابني الصوت: إذن ألم تدرك أن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ قد دعا إلى إشاعة جو التسامح والسلام بين المسلمين وبينهم وبين غيرهم من الأمم، لقد كان في تعامله مع الجميع متسامحا وقد قال الله عنه في كتابه: ” لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ” فها هو أثناء عودته من الطائف، وبعد أن أدموه وأغروا به سفهاءهم وغلمانهم، وبعد أن طردوه من قريتهم، وأساؤوا معاملته، يأتيه ملك الجبال يقول: مُر يا محمد. فيقول رسول الله: لعلّ الله يخرج من أصلابهم من يعبده وينصر هذا الدين.
 
لقد كان ملك الجبال ينتظر منه إشارة ليطبق عليهم الأخشبين ويغرقهم في ظلمات الأرض فلا ينجو منهم أحد، ولكن الرحمة في قلبه وخُلُق التسامح الذي تربّى عليه دفعه إلى الاعتذار من ملك الجبال، وقال قولته الشهيرة التي تنمّ عن مسؤولية عظيمة وخُلُق فاضل. ولم يكن الأمر أقل أهمية مع أهل مكة الذين ناصبوه العداء، وأخرجوه من أحب أرض الله إلى قلبه – مكة – وخاضوا حروباً ضده في بدر وأُحد والخندق، فقتلوا من المسلمين وقُتل منهم، وأسروا من المسلمين و أُسر منهم، وردّوه عام الحديبية وقد جاء إلى مكة حاجّاً معتمراً، وأساؤوا إلى أصحابه فعذبوهم وطردوهم وأخرجوهم، ومع كل ذلك فإنه يوم الفتح، وبعد أن منّ الله على المسلمين بنصر ميمون، وسقط الشرك والباطل في عاصمة الجزيرة العربية، يومها قال لجموع أهل مكة وقد احتشدوا واصطفوا للقائه، ينتظرون ماذا هو فاعل بهم. قال: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
 
 
فما أعظم هذا الخُلُق، وما أروع هذه الخصال. وغيرها من المواقف التي تشهد بها سيرته الشريفة، إن العالم اليوم يحتاج إلى تعميم ثقافة وخُلُق التسامح على كافة المستويات، حتى تكون ثقافة عامة، يعمل بها الراعي والرعية، الصغير والكبير، الرجل والمرأة، الموظّف والتاجر، المزارع والصناعي، العامل ورب العمل، السياسي ورجل الأمن، المواطن والمسؤول، الشرقي والغربي، المسلم وغير المسلم، لأن من شأن ذلك، التوجه بالعالم الحائر المضطرب إلى شاطئ وبر الأمان. إن ثقافة التسامح تشكّل صمام الأمان لعالم مطمئن ومزدهر ومتقدّم، كما تشكّل الأساس المتين لعلاقات طيبة على مستوى الأفراد والمجتمعات، لذا من واجب الجميع العمل على نشر قيم وفضائل التسامح حتى تصير ثقافة عامة، فنعيش في عالم مطمئن ومتقدم.

وأنا أفكر في هذا الكلام المنطقي قررت أن أبدأ صفحة جديدة وأشاركه مع الجميع فتفضلوا قراء ورزازات أونلاين بمدي باقتراحاتكم وانتقاداتكم وتفاعلكم.
 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock