مقالات رأي

العلماني و مبدأ ” أنا أو لا أحد “

العلماني و مبدأ ” أنا أو لا أحد “
 

محمد الأمالي

عاشت مصر في الايام الماضية على وقع مجازر مروعة ، و مشاهد جثث متفحمة وصورمعتصمين سلميين اخترق رصاص الإنقلابيين أجسادهم العارية ، و حرائق مندلعة في انحاء مصر الحضارة ، في مشهد شبيه بإحراق روما على يد الإمبراطور نيرون سنة 64 ميلادية . و الذي قيل أنه كان يعزف على قيتارته و يغني احتفالا و احتفاءا بمنظر جثث الاطفال و النساء و الشيوخ التي تفحمت و حولتها النيران الى رماد تتلاعب به الرياح .

وعلى نفس الدرب و النهج سار العلمانيون “المتطرفون” بكل طوائفهم من ليبراليين و يساريين و قوميين في مصر، حيث يرقصون على دماء الشهداء مِن نساء و أطفال و شبابٍ من خيرة ما أنجبته أمهات مصر و أرضعته ، بعد أن تواطؤوا و غرروا بعصابة من العساكر وحفنة من البلطجية، و استعانوا بهما للإنقضاض على حكم وسلطة تعدر عليهم الوصول إليهما عبر الوسائل الحضارية المتعارف بها عالميا ، و أقدموا بشكل هستيري وهمجي للإنتقام من الديموقراطية التي تبجحوا بها و تغنوا، كذبا و نفاقا لعقود من الزمان ، و التي أذلتهم و كشفت لهم عن حجمهم المتواضع، في مصر و تونس و ليبيا و من قبل في تركيا و ماليزيا…. وَهَلُمَّ جَرًّا، أمام تيارات الإسلام السياسي .

و قد لاحظنا كيف أن هذه القوى سخرت إعلامها المضلل لبث الأكاذيب و التحريض على القتل ، و استرخاص دم المواطنين العزل ، و لم تصدر أي إدانة لا من علماني و لا ليبرالي ، و لا من قومي ولا يساري ، بل بالعكس رأينا كيف كانوا يبررون تلك الجرائم البشعة، و كيف كانوا يتشفون بمحاصرة و قصف دور العبادة ، و ينتشون بقتل المعتصمين السلميين، لا لجرم إقترفوه سوى أنهم خرجوا لإنقاد ديموقراطية ضلوا يحلمون بها مند عقود، و ضحوا من أجلها بالغالي و النفيس، و التي باتت تترصد بها أيادي الغدر و الخيانة .

فما الذي يفسر تلك الهمجية التي حدت بتلك التيارات العلمانية “المتطرفة” الى هذا الانحطاط السياسي و الخلقي ؟ و لماذا دفعوا بالأمور من صراع من المفروض أن يكون تنافسا سياسيا و فكريا شريفا، يكون فيه الفيصل للأليات الديموقراطية المعروفة في البلدان المتحضرة، إلى مجازر بشعة في حق المواطنين السلميين؟

إن المتتبع لمجريات الاحداث عبر تاريخ الانسان المعاصر سيجده حافلا بنمادج شبيهة، من سفك الدماء و حرق الأوطان و تخريبها و إشعال الحروب ، نتيجة توجهات أيديولوجية تتغدى فكريا من الفلسفات المادية التي تحط من قيمة الانسان، و لا تُكِن له أي اعتبار، حيث تنظر إليه كحيوان يستمد وجوده من الطبيعة ، وتعتبر الدماء و التعذيب و الوحشية نابعان من طبيعته الحيوانية، شأنه شأن باقي الحيوانات.

و تؤمن بأن الصراع والإقتتال لابد منهما لتطور الإنسان و ارتقاءه، وتكريس البقاء للأقوى، كما تذهب بذلك نظرية الداروينية الإجتماعية و الفلسفة النتشوية ( نسبة لفريدريك نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر على حد تعبير المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري رحمه الله ) و الذي شكلت فلسفته المبنية على فكرة موت الإله إعلانا صريحا للتحرر من كل القيود و القيم ، و إرساءا لمنهج القوة و الإستبداد كمبدئين وحيدين في الحياة لدى الإنسان .

لقد دفع الملايين من البشر حياتهم نتيجة تأثر ثلة من المجرمين و القتلة بنظرية داروين التي أنكرت بالمطلق فكرة وجود الإله ، و فلسفة نيتشه القائلة بموته . فالقرن الذي تلى ظهور تلك النظريات المنحرفة كان أكثر القرون دموية في تاريخ البشرية على الإطلاق . حيث اندلعت الحربين العالميتين و اللتين تسببتا في هلاك أكثر من 60 مليون إنسان .

و كان من الممكن تفاديهما و تجنيب شعوب أوربا هذه الكوارث الإنسانية، لولا أن القادة السياسيين و العسكريين الذين ساهموا في إشعال تلك الحروب كانوا متأثرين بشكل كبير بنظرية الداروينة الإجتماعية، المبنية على اسقاط تصورات تشارلز روبرت داروين في مجال علم الأحياء الطبيعية على المجتمعات البشرية. والتي تبنتها أغلب الدول في مناهجها التعليمة .

فالحركة النازية في ألمانيا قامت أيديولوجتها على مبدأ الصراع بين الأعراق و الأجناس. و كان هيتلر يرى في العرق الآري أقوى الأعراق و أكثرها تطورا، لذى فهو الأحق و الأجدر بقيادة باقي الأمم ، و لا سبيل إلى هذا سيوى بالحرب و سفك الدماء وهذا ما فسر تلك الوحشية و الإسراف في قتل و إبادة أبناء القوميات و الأعراق الأخرى .

و على نفس النهج كانت الفاشية في إيطاليا تحكم بقبضة من حديد و تجهز بالقتل و الإعدام على كل من خالف قناعات موسولوني و حكمه الديكتاتوري . و في شرق أوربا كان النظام الشيوعي غارقا في دماء الأبرياء، حيث عرفت فترة حكم جوزيف ستالين للإتحاد السوفياتي تصفية ما يزيد عن 40 مليون إنسان . فضلا عن تشريد و نفي ملايين أخرى.

أما في الصين فقد تمكن الماويون من إحكام سيطرتهم على السلطة، و عاتوا في تلك البلاد قتلا و فسادا وتجويعا للصينيين و إبادتهم باسم الشيوعية ، و قد سعى النظام إلى تصدير أفكاره إلى البلدان المجاورة . و تأتى له ذلك في الكثير من الدول ، ولعل أبرزها كمبوديا التي بدورها عرفت نوعا من الجرائم التي لم تشهد لها الإنسانية مثيلا من حيث البشاعة، على يد الخمير الحمر بزعامة الشيوعي بول بوت .

كما عرفت نفس الفترة ظهور الحركة الصهيونية التي قامت و بمساعدة القوى الإمبريالية بتصفية و تهجير الملايين من الفلسطنيين و السطو على أراضيهم و ممتلكاتهم .

لقد كانت كل هذه المآسي و الآلام نتاجا طبيعيا لفلسفات مادية ، و نظريات إلحادية تنكرت للقيم الفاضلة وزعمت أنها من صنع الضعفاء لكبح ر غبات الأقوياء في السيطرة. و جعلت القوة فوق سيادة الحق و الأخلاق .

و قد وجدت هذه النظريات في عالمنا الإسلامي من تأثر بها بشكل أو بأخر، و شكلت المرجعية الروحية ( الى حد ما ) لأنظمة حكمت بالحديد و النار، و قد بلغت الوحشية ببعضها استعمال الأسلحة الكميائية ضد شعوبها كما حدث في عراق البعثي صدام حسين ، ويحدث الآن في سوريا على يد بشار الأسد . أما في ليبيا فقد سخر القذافي المشحون بأفكار سيده جمال عبد الناصر، أموال و ثروات الشعب في قمع و إبادة المعارضين لحكمه الديكتاتوري في السجون كما فعل في سجن أبو سليم الذي شهد مجزرة مروعة راح ضحيتها أكثر من 1250 شهيد سنة 1996 .

إنها نفس المدرسة الفكرية التي تتغدى منها النخب العلمانية “المتطرفة” في بلداننا الإسلامية، و التي تفتقر للجرأة الكافية للبوح بمشاريعهم الأيديولوجية، و يكتفون برفع شعارات وردية من قبيل الحداثة و الديموقراطية ، و حقوق الإنسان . في حين أن الواقع يكذب هذه المزاعم ، و يؤكد على قناعاتهم الإستئصالية و الإقصائية، و عدم إلتزامهم بأية معايير أخلاقية و قيم إنسانية، مع أنفسهم أو مع من يرونه عقبة في طريقهم للسلطة و الحكم.

فهاهم في مصر و تونس و بعد وقوفهم لعقود مع الأنظمة البائدة، وتغطيتها سياسيا في قمع الحريات و التنكيل بالمعارضين ، نراهم يسعون جاهدين لإحباط تجربة الإسلاميين في تلك الدول بكل الوسائل الدنيئة الممكنة، عبر التآمر و الانقلاب على إرادة الشعوب، و من تم القتل و تصفية الخصوم، مستفيدين من كل أشكال الدعم المعنوي و المالي و الإعلامي، الذي تقدمه أطراف دولية و محلية، ترى في نجاح الإسلاميين في الحكم نهاية لأطماعهم السياسية و الإقتصادية و عقبتا في طريق مصالحهم في المنطقة، و خُططهم في السيطرة على مقدرات الشعوب الاسلامية، عبر إفشال أية مشاريع حقيقية لنهضة تُلحق العالم الإسلامي بالركب الحضاري ككيان مستقل عن أية هيمنة أو تبعية .

[email protected]

 

ما تعليقك على الموضوع ؟

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock